الأراجوز.. وقواعد لعبة الفكاهة

انتقل فن الأراجوز من تركيا إلى مصر فى زمن الخلافة، وكان يسمَّى «قرا كوز» أى العين السوداء، وكالعادة تم تمصيره وانتشر فى الريف المصرى، بغرض الإضحاك، شأنه شأن خيال الظل والحاوى والحكاواتى والقراداتى. وكانت كلها تعرض فى الشوارع «فنون الشوارع» وكانت كلها أيضا بهدف الإضحاك لجمع «الملاليم» أو أصغر العملات أو حتى كسرات من الخبز أو أى مادة غذائية، وكانت لا تخلو جميعها من الإيحاءات الجنسية، وأحيانا التصريح به، وكانت تتفاعل مع الجمهور بما يسمى «القافية»، ويبادل اللاعبون مع المشاهدين القوافى والشتائم والسباب، وأحيانا التشابك بالأيدى ومع الزمن واختلاف المراحل السياسية، أحيانا كانت تأخذ هذه الفنون مضمونا سياسيا بدائيا تشبه السخرية من شيخ خفر أو خواجة أو حتى ابن بلد، ولعلنا نذكر جميعا فقرة الأراجوز فى أوبريت «الليلة الكبيرة» للراحل الكبير «صلاح جاهين»، وكان الأراجوز «فهلوى» من أبناء القاهرة والذى يناوش فى خفة العمدة القادم من الأرياف..
وتطورت التكنولوجيا، وجاءت السينما والتليفزيون وأطباق الفضائيات، وتطورت أشكال الفكاهة، وتنوعت، فكان الفيلم والمسلسل والمونولوج، وداخل كل نوع تنوعت الأساليب والمضامين، فكانت الفكاهة للفكاهة، وكانت أنواع أخرى هادفة تتناول ظواهر اجتماعية وظواهر سياسية.
وأخيرا ظهر البرنامج الفكاهى، وأخذ شكل البرنامج، ولكنه أخذ القانون الفنى الذى يرجع إلى قواعد الدراما «الكوميدية أو التراجيدية»، وقواعد الدراما تعتمد على الفكرة والحبكة والإيقاع والصراع والرسالة، ومن أهم خصائصها المجاز والإيحاء والتلميح دون التصريح.
ظلت قواعد لعبة الفكاهة الفنية تحتفظ بخصائصها دون الخروج على القواعد، فهى تسخر من ظواهر اجتماعية أو حتى سياسية دون أن تتصاعد إلى مرحلة الرأى الذى يمكن الاختلاف عليه إذا أصبح عاما جامعا مانعا، فالأراجوز قد يسخر من العمدة مثلا دون الخوض فى نظام «العمودية»، قد يسخر من الخواجة المستغل دون أن يرفع شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام» فهذا مجال آخر، وكذلك المنولوجست قد يسخر من ظاهرة معاكسة الفتيات فى الشارع عند الشباب دون أن يدعى أنه عالم اجتماع ينظر إلى موضوع الكبت الجنسى فى الشرق.. ولو فعل هذا فهو يخرج عن قواعد اللعبة الفنية، وعلى ذلك أحببنا باسم يوسف، لأنه فنان أكثر منه سياسى مبدع، يقدم إلينا تراثنا الفكاهى بطريقة حديثة مبتكرة، مستفيدا من عناصر الفن الحديث، سخر من الفلول ومن الإخوان وصبيانهم، ولا مانع عند متلقى الفنون من أن يسخر وبطريقته الكاريكاتورية حتى من سعد زغلول وجمال عبد الناصر، وهم رموز لا تقل أهمية من الفريق أول السيسى، وعند الكثير هما أهم، ما دامت اللعبة وقواعدها متفقا عليها من الفنان والجمهور، ولكن أن يقول فى برنامجه إن «مصر تغتصب من 60 عاما» فلقد خرج الفنان عن قواعد اللعبة، فهذا لم نتفق عليه فنيا، هذا رأى سياسى يستوجب وبالضرورة وجود الرأى السياسى الآخر بمعنى أن تتحول اللعبة الفنية إلى نمط آخر.. ندوة أو برنامج حوارى عادى بقواعده البعيدة عن لعبتنا، ومثل هذا كقواعد الدراما فى أى فيلم أو مسلسل يجب أن يكون أكثر من شخصية وأكثر من رأى، وتكون الرسالة فنية رغم أنها متحيزة، ولكن كما قلنا بالتلميح والمجاز الفنى بأدوات الفن نفسها وليس بأدوات المقال المباشرة.. نرجو أن يفهم الفنان باسم يوسف قواعد لعبته الفنية، أما رأيه فهناك مجالات أخرى.
التحرير






