سائق التاكسي.. حكيم الشارع

 

243

 

يقلقني الشارع، وأخاف على أهله غائلة التضليل، ودعوته إلى السراب، من الجماعات التي تستغل حاجاته وأزماته، وتعزف على وتر تدينه، تلك التي أدخلتنا في عام أسوداً لا نود له تكراراً، وكفانا عقود طويلة من الظلم، وثلاث سنوات أخيرة من المعاناة، بالرغم من تفجر ثورتين، تاق بعدهما الشعب إلى أن يرى تجسيداً أميناً لأهدافه الثورية، باستعادة الدولة هيبتها، واستغلال ما تمتلكه من ثروات وخيرات فيما يحقق تقدمها خلال المستقبل القريب، ويعوض شعبها عما قدمه من تضحيات كثيرة..
لم يقلقني عنف الإخوان، ولا بلطجية الجامعات، ولا حتى من خرجن من قمقمهن وصرنا صاحبات الكلمة في الجماعة، بعد تواري الرجال في مخابئهم، لكن يقلقني الرجل البسيط، الذي تم التغرير به واستغلال فطرته الدينية.. ولكن بعدما ركبت إحدى سيارات التاكسي والحديث إلى سائقها، اطمئن قلبي، وأدركت أن تحولاً كبيراً حدث في الشخصية المصرية، وأولها البسطاء.. سألت السائق عن رأيه فيما يجري في مصر، وموقفه من الدستور.. قال لي “حننزل الاستفتاء، وكفاية عطلة ووقف حال.. الإخوان ضحكوا علينا بشوية زيت وسكر، ومرسي خدعنا باسم الدين، ودي مش حتتكرر تاني، خلاص الناس عرفت الحقيقة، ما فيش مسلم يحرق بلده ويقتل ناسه، لكن أرجع وأقول العيب في الحكومة”!.. سألته: ليه؟.. قال “لو إني مسئول، وبإيدي القرار، لكنت واجهت العنف بالحزم، والفوضى ممكن تتلم بالعافية”.. نبهته: لكن بتوع حقوق الإنسان حيطلعوا من تحت الأرض ويقولوا استخدام العنف المفرط في فض المظاهرات وكبت الحريات، والكلام الكبير إللي إنت عارفه، وساعتها حيقولوا المظاهرات كانت في غاية السلمية.. رد السائق “الجماعة بتوع هنا، كلنا عارفينهم، جايين منين ورايحين على فين، بيعملوا إيه ولحساب مين.. دول يا أستاذ مش حاسين بينا ولا داريين بوقف الحال إللي إحنا فيه.. كل واحد منهم بياكل في قتة محلولة، بيهدم البلد وكأنه مش منها، أما التانيين، فدول مكشوفين، فلوس بالعبيط بتدخل البلد، وسلاح داخل من كل حته.. بذمتك لو إن الدول دي خالصة في نيتها لمصر وعاملة بتاع ديمقراطية بجد، ما كنتش وقفت جنب مصر في ثورتها ودعمتها بدلاً من إللي بيحصل منها النهارده، ده معناه إيه؟.. معناه إن همه مش عاوزين خير للبلد دي، وللأسف بيستغلوا الجماعات إياها وبتوع التيار الفلاني والعلاني، عصايا يضربونا بيها، لا دول عندهم ضمير، ولا دول عندهم دم”!.
وصلت إلى مقصدي، ونزلت عن السيارة مودعاً سائقها الذي تدثر في ملابس لا تنم عن سعة في الرزق، وهو يجوب شوارع القاهرة ليلاً، بعد أن أغرقتها الأمطار “في شبر ميه”، وقد خالجني شعور قوي بأن أحداً لن يستطيع خداع هذا الشعب مرة أخرى، بل إنه لن يفت في عضده، لأنه اكتشف الحقيقة، وعاني الأمرين في سابق أيامه، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ونحن شعب نؤمن بالفطرة، ولن تنطلي الحيلة من جديد على شعب عرف طريقه، ولن ينكسر في معركة الجماعة الاخيرة مع الدستور، لأن مصر ستظل دوماً فجر ضمير الإنسانية وأمله، كما قال الرئيس عدلي منصور في خطابه أول أمس، وأطلق نداءه الأخير، لأولئك الذين كانت لهم آراء ومواقف مختلفة خلال الفترة الماضية، “إنني أدعوهم للتحلي بالشجاعة، والتخلي عن العناد والمكابرة، التي نعلم كم هي كُلفتُها على أمن الوطن ومصالح الناس، أدعوهم للحاق بالركب الوطني، والتوقف عن السعي وراء سراب وأوهام”.
نعم.. فلنجعل الدستور الجديد “كلمة سواء” تُجمع ولا تُفرق، تؤلف قلوب الجميع، فالبغضاء لا تبني، والكراهية أداة هدم للأواصر الإنسانية بين أبناء الوطن، وأما الاختلاف فهو مشروع، ما دام تم في إطار سلمي يراعي صالح الوطن، فلا عودة للوراء بعد أن قال الشعب كلمته المدوية في 30 يونيو، ومصر المستقبل ماضية في استحقاقاتها، من خلال دولة حريصة على إنفاذ القانون واستعادة هيبتها وتلبية احتياجات شعبها الذي ضحى كثيراً من أجلها، وآن الأوان لأن تتحقق طموحاته وتطلعاته.. وإذا كان سيدنا عمر بن الخطاب قال لقاضيه “واعلم أنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له”، فإن الدستور الجديد لن يكون خطوة كبرى على طريق تحقيق أهدافنا، إلا بأصوات الشرفاء من أبناء مصر.. فهل هم فاعلون؟.

galalhamam1@hotmail.com

المقال منشور بالتزمن مع موقع وجريدة الدستور

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى