مقاطعة الانتخابات بين الموقف الثوري وحجة العاجز

القارئ في علم النفس يطالع أحيانا قصة ذلك الثعلب الذي تسلل إلى بستان الفاكهة رغبةً في سرقة بعض العنب الطازج رائع المذاق، فوجده في تكعيبة بالغة الارتفاع يعجز عن الوصول إليها، فانسحب مواسيا نفسه بأن العنب لم يكن بتلك الجودة التي يتصورها، رافضا الاعتراف لغيره -ولا لنفسه- بأن عجزه عن نيل العنب هو سبب انسحابه.
تلك القصة هي نموذج لما يسميه أهل هذا العلم بـ”الحيل الدفاعية” التي يوجّهها المرء لنفسه ليغطي عيوبه أو ضعف قدراته، وقد استحضرتها في ذهني وأنا أتابع تصريحات بعض الأحزاب والسياسيين والنشطاء حول قرارهم مقاطعة انتخابات مجلس النواب القادمة، بحجة أنها ستُجرَى وفق دستور لا يعترفون به ويصفونه بالبطلان، تحت رعاية سلطة يعتبرونها فاقدة الشرعية.. بل وتطرَف بعضهم بوصم من ينوون خوضها بتهم مشينة كالخيانة وبيع الثورة.
وأنا إن كنت أتفق مع هؤلاء في رأيهم عن كل من الدستور والسلطة الحاكمة، لكني أرفض بشدة موقفهم من الانتخابات والمشاركين فيها، حيث أفرّق بينه وبين الموقف الذي أحترمه -رغم اختلافي معه- في مقاطعة أي انتخابات أو استفتاءات من البداية.
فأصحاب موقف المقاطعة منذ البداية موقفهم واضح وصريح وغير متبدل، كما أنه لم يتضمن -في معظم من اتخذوه- أي تخوين أو إهانة لمن خالفوه.. هؤلاء اتخذوا موقفا ثوريا بتحييد السياسة والتركيز على العمل الثوري فحسب، وكما قلت، فهو موقف أختلف معه ولكني أتفهمه وأحترمه، وأحترم كذلك موقف من قرروا المقاطعة أو إبطال أصواتهم خلال جولة الإعادة بين كل من شفيق ومرسي، باعتبار أنهم غير مجبرين على المفاضلة بين مرشحين لا يقتنعون بأي منهما.
أما أولئك الذين لا أتفهّم موقفهم -وبصراحة لا أحترمه- فهم الذين كانوا يتعاملون بشكل طبيعي مع العملية الانتخابية باعتبارها ضرورة وطنية، ويبذلون لتحقيق الفوز فيها كل رخيص وغالٍ، ويبرمون لأجلها الاتفاقات ويشكّلون التحالفات، ثم فجأة بعد أن أدركوا بُعدهم عن الشارع مقابل ما لخصومهم السياسيين من وجود به وتمكّن من قطاع منه، قرروا أن العملية الانتخابية باطلة، وخوضها خيانة وتخل عن القضية.
فهؤلاء يماثلون الثعلب في القصة سالفة الذكر، في تغطية عجزهم وإخفاقهم برداء ثوري رغم طول انفصالهم عن الثوار طوال السنتين الماضيتين، بالتركيز بشكل مبالغ فيه على العمل السياسي دون الثوري ورفض المزج والتنسيق بينهما، أو بوضع بعضهم يده في يد بعض المنتمين إلى النظام السابق بحجة “وحدة الموقف المضاد للإخوان”، ورفض بعضهم الاتحاد خلف مرشح ثوري واحد في مواجهة مرشحي الفلول ومرشح الإخوان، مما ساهم في إيقاعنا في الوضع الحالي.
والآن فقط قرروا أن الانتخابات في ظل نظام ودستور لا يعترفون بهما أمر مرفوض وفاعله موصوم ومتهم في وطنيته.. حقا؟! لماذا إذن ترشح بعضهم -كحمدين صباحي- لمجلس الشعب في عهد مبارك ثم للرئاسة في ظل حكم المجلس العسكري؟!
لماذا كانت بثينة كامل تجمع التوكيلات لترشيح نفسها لنفس المنصب خلال نفس الفترة؟! وعلى أي أساس كان الدكتور البرادعي ينوي ترشيح نفسه للرئاسة قبل انسحابه، فقط لعدم ثقته بنزاهة الانتخابات؟! وهل كانت لحزب مصر الحرية -الذي أعلن توا مقاطعته انتخابات مجلس النواب- نفس الرؤية عندما انضمّ إلى مؤسسي قائمة “الثورة مستمرة” خلال انتخابات مجلس الشعب الماضية؟!
ماذا عن الاستفتاء على الدستور؟! لماذا دعوا إلى المشاركة والتصويت بالرفض في استفتاء على دستور يحتمل الرفض الشعبي أو القبول، ما داموا قد قرروا الحكم عليه بالبطلان لو لم تجرِ المراكب كما اشتهوا؟!
لماذا يذكّرني هذا بما كنا نفعل ونحن أطفال حين تُفاجئنا قوة الخصم في لعبة نلعبها، فنصيح في منتصفها “مش لاعبين”؟!
ليتهم حتى صرّحوا بـ”كنا مخطئين والآن عرفنا خطأنا ورأينا الصواب ونعتذر عمّا مضى”، إذن لكنا نقدّر ونثمّن موقفهم حتى مع الاختلاف معه، ولكنهم -مع الأسف- لم يفعلوا.
بل وليتهم أعلنوا أن موقفهم خاص وليس عاما يدعون جموع الشعب لتبنيه واتخاذه، ويتمادى بعضهم في وصف من يخالفه بالاتهامات سالفة الذكر من خيانة وتهاون في حق الشهداء والثوار.
هذا فضلا عن أنه موقف متخاذل يسلّم مصر للخصم السياسي على طبق من ذهب، وتوقيت وكيفية ظهوره لا يُظهِرهُم إلا بمظهر العاجز المتحجج بمبررات واهية يريد أن يغطي بها خطيئة الانعزال عن رجل الشارع وحبس النفس في أروقة المكاتب وصالونات النخب، حتى إذا ما اكتشف متأخرا أن رجل الشارع البسيط قد فقد الإيمان به ولفظه، قرر بدلا من اتخاذ وقفة مع النفس وتصحيح المسار وتعديل الخطط، أن يخلق لنفسه منطقة يجذب إليها هذا المواطن، بدلا من أن يخرج هو له ويتخلى عن ترفّعه عنه ومعاملته الفوقية له.
ماذا يُتوقع منهم عند إجراء الانتخابات القادمة وخوض التيارات الدينية لها في قوائم منفصلة أو موحّدة ثم فوزه بالأغلبية الساحقة؟! أليس المتوقع أن يخرجوا علينا في المؤتمرات الصحفية ينادون ببطلان تلك الانتخابات من الأساس؟! ماذا إذن لو تحقق الصعب وفاز التيار المدني بتلك الأغلبية؟! هل سيكون هذا نفس موقفهم؟! بكل ثقة أقولها: بالطبع لا! فمع الأسف قد زرعوا فينا الانطباع أن مواقفهم من أي انتخابات أو استفتاءات تقوم على ما يحققون فيها من مكاسب أو تنالهم فيها الخسائر.. وأذكر أني شهدتُ بنفسي في إحدى التظاهرات الحاشدة شخصية سياسية سكندرية شهيرة تهتف ببطلان انتخابات مجلس الشعب الماضية، رغم خوض تلك الشخصية نفس الانتخابات ضمن إحدى القوائم الشهيرة جدا.. وعدم نيله التوفيق فيها.
في نفس الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور فوجئت بالتليفزيون يذيع أغنية مطلعها يقول: “يا عينَك يا جبايرَك..أنا مش راضي أعايرَك!” ما علينا؛ للأمور العابرة رمزيتها على أي حال!
بحق الله! كم ينال هذا وينتقص من التيار المدني كله ويسيء إليه على المستويين السياسي والثوري، بل وعند رجل الشارع كذلك؟!
إن ما أتحدث عنه هو مجرد عَرَض لمرض النخبة السياسية في تبرير كل تصرفاتها الخاطئة -بل والكارثية- بدلا من مواجهة النفس ونقد الذات بقسوة وصرامة، للوقوف على موضع الخطأ ومعالجته بشكل جدي يليق بمن يعتبرون أنفسهم زعماء سياسيين وشعبيين.. ذلك المرض الذي لو لم يسارعوا بعلاجه فسيُسقطون أنفسهم ويهددون التيار المدني كله بالسقوط وفقد البقية الباقية من ثقة الشارع المهتزة أصلا فيه! ثم بعد ذلك نعيب على الإخوان أنهم “مبرراتية”؟!
بالعبارة الصريحة إذن أقولها: إما أن تعترفوا بمشكلتكم وتواجهوها بحزم وإما أن تتركوا المجال لغيركم ليتعامل مع الموقف.. ولكن هذا الأسلوب في لَيّ أعناق الأمور وفق أهوائكم وحساباتكم الخاصة لن يزيدكم ويزيدنا إلا فشلا ومهانة.. فإما اعتدلتم وإما اعتزلتم.. يرحمنا وإياكم الله.
بص وطل





