أبودوح يكتب: نهضة أثيوبيا ونهضة الإخوان

لم تؤد سياسة الإخوان المسلمين التي تعتمد بالدرجة الأولى على الاستحواذ وإقصاء الآخرين إلى حدوث انشقاقات داخلية بين القوى السياسية الرئيسية في مصر وحسب، بل امتدت أيضاً إلى سياساتها الخارجية وعلاقاتها بالدول المجاورة لها في نفس القارة، وعلى نفس المجرى المائي لنهر النيل.
والحقيقة أن هذه المرة لا يجب أن نحمل الخطأ على سياسات الإخوان المسلمين وحدهم، رغم أنهم هم من لعب الدور الرئيسي في إحداث الانقسام الشديد الذي تشهده الساحة السياسية المصرية حالياً. ما أدى إلى تنامي أطماع الدول الأخرى في التعدي على المصالح المصرية في القارة الأفريقية، والتي يأتي عادة على رأسها مياه النيل.
بل يجب أيضا إلقاء نظرة تأملية على الانتهازية التي تمتعت بها بعض أنظمة الحكم الفريقية وعلى رأسها النظام الأثيوبي في استغلال الاضطرابات الداخلية التي تشهدها مصر منذ قيام الثورة في يناير 2011، وسعيها الدائم منذ ذلك الوقت على تحريض دول حوض النيل بتجاه التوقيع على الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل المعروفة – بإتفاقية عنتيبي – دون الاهتمام بالاعتراضات المستمرة لمصر والسودان على بنود الإتفاقية، لما بها من تعد كبير على حصص كل منهما من المياه سنوياً باعتبارهما دولتي المصب.
الأخطر من ذلك هو تصريح رئيس الوزراء الأثيوبي الجديد هيليماريام ديسالين مؤخرا بأن جنوب السودان في طريقها للتوقيع على بنود اتفاقية عنتيبي، التي وقعت ست دول عليها حتى الأن، وهو ما يعني مزيداً من العزل الدبلوماسي والدولي لمصر والسودان.
على الجانب الأخر، لا يخلو الأمر من مخاطر بالنسبة لأثيوبيا، على عكس ما تصور هي على لسان أعضاء حكومتها طوال الوقت أمام الشعب الأثيوبي والقوى الدولية، من أن هذا السد (الذي تعكف على بناءه) سوف يحقق النهضة والرخاء للبلاد، وخاصة في قطاعي الزراعة وتوليد الكهرباء.
والحقيقة أن الطبيعة الجيولوجية الصخرية للمنطقة التي تبعد عن الحدود السودانية حوالي 20- 40 كيلو متر، والمزمع إقامة السد فيها لا تتناسب مع المشروعات المائية الكبري، بالنظر للتكلفة الباهظة الواجب توافرها للتغلب علي الظروف الجيولوجية هناك، وزيادة نسبة تعرضها للانهيار، نتيجة الفيضانات والتشققات الصخرية والزلازل، وكذلك عدم إمكانية نقل المياه وتوزيعها في حالة تخزينها. والحل الأمثل هو التوسع في إقامة سدود صغيرة متعددة الأغراض (كهرباء ومياه شرب وزراعة بسيطة) لكي تخدم أكبر عدد من المدن أو القرى التي يستحيل نقل المياه إليها من أماكن أخري.
إذن فالهدف من وراء الإصرار على بناء سد النهضة هو سياسي بالدرجة الأولى، فعند إضافة نتائج الأبحاث المتخصصة السابق ذكرها، إلى حقيقة أن أثيوبيا مازالت عاجزة عن توفير التمويل اللازم (الذي يبلغ 2 مليار دولار فقط) لإتمام مشروع سد أخر يعرف باسم “سد جيبي 3” الواقع على نهر أومو منذ عام 2006 وحتى الأن، في حين تسعى إلى توريط نفسها في مشروع سد النهضة الذي يتطلب 4.8 مليار دولار في نفس الوقت، يتبين أن الحكومة الأثيوبية لا تطمح إلى توفير الكهرباء والتقدم في المجال الزراعي، بقدر ما تهدف إلى :
– الحشد الشعبي خلف المشروع الذي سعى رئيس الوزراء الأثيوبي الراحل ميليس زيناوي إلى تحويله من مجرد فكرة إلى مشروع قومي، بهدف تجنب موجة الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وتخوفه من امكانية وصول تلك الاحتجاجات إلى منطقة القرن الأفريقي.
– الدعم الإسرائيلي المتواصل الذي تتلقاه حكومة أديس أبابا بهدف إنجاح الفكرة الآن في اثيوبيا، وتعميمها على بقية دول حوض النيل في المستقبل. وهي بذلك تهدف بالأساس إلى خنق مصر والسودان ودفعهما نحو الوصول إلى مرحلة الفقر المائي (التي وصلت مصر إليها بالفعل)، وما يتبع ذلك من عجز اقتصادي نتيجة تأثير نقص المياه على كثير من مشروعات التنمية المرتبطة بالزراعة والري والكهرباء…وغيرها.
نعود إلى السبب الرئيسي الذي أوصل تلك الدول إلى الاجتراء على مصر وعلى حقوقها التاريخية في مياه النيل، وهو الإهمال المستمر الذي كانت تلاقيه من قبل الحكومات المصرية المتعاقبة أثناء فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك، واستمرار نفس سياسة التهميش والتجاهل حتى بعد قيام الثورة كنتيجة طبيعية لعدم إدراك المجلس العسكري والفصيل الحاكم في مصر الآن لخطورة هذا الملف على الأمن القومي المصري ومدى إضراره بالمصالح العليا للبلاد،
ولتفرغهم فقط لما يحقق مكاسب الجماعة وما يساعدها على السيطرة على مكونات الدولة المصرية ومؤسساتها، ولانغماسهم في خلق صراعات جديدة كل يوم مع القوى السياسية المعارضة، دون النظر إلى القضايا التي تهدد بالفعل أمن الوطن، وليس أمن الجماعة وحدها.
الدستور الاصلي





