التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ينجي من الفتن

- النجدي: لخطورة الفتن كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أفضل هذه الأمة وأخشاها لله وأقواها إيماناً يكثر من سؤال الله الثبات على دينه
- الحمد: في هذا العصر تنوعت الفتن وكثرت.. والرجوع إلى العلماء الربانيين من أهم ضمانات البعد عن المحن والفتن
لقد تنوعت الفتن في هذا العصر وكثرت، منها فتن العقائد، ومنها فتن الاهواء والافكار، ومنها فتنة المال والدنيا، ومنها فتن الفرقة والخلاف، ومنها تسلط اعداء الاسلام على أمة الاسلام، فكيف الطريق للنجاة من الفتن؟ هذا ما يبينه لنا علماء الشرع.
فتن الدين
ويوضح د.محمد الحمود النجدي الحكمة من الفتن والبلايا خاصة فتن الدين بقوله: الحديث عن اوصاف واحوال فتن آخر الزمان وعن الموقف الأمثل للمسلم لاتقائها والسلامة منها، حديث مهم، وضروري للنجاة منها، والسلامة من شرها، خاصة في هذه الايام العصيبة التي توالت فيها الفتن وتنوعت، وعمت وطمت، عافانا الله جميعا من شرورها، فقد حذرنا الشرع المطهر من الفتن التي تقع في آخر الزمان كما جاء ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم «يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل».
واضاف: ونظرا لكثرة الفتن وشدة خطرها على العبد، وردت نصوص عديدة تحذر من الوقوع فيها، وافرد لها العلماء والمحدثون فصولا وابوابا في كتبهم ومصنفاتهم، للحديث عنها، وعرض سبل النجاة منها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ان عظم الجزاء مع عظم البلاء، وان الله اذا احب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
حكمة بالغة
اما عن حكمة الله من الفتن، فلقد خلق الله تعالى الخلق لحكمة بالغة، وغايات سامية، كما قال سبحانه (وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون) فخلق الثقلين الجن والانس لعبادته وحده لا شريك له، والعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة، فيحب تعلمها واداءها على وجهها والاخلاص فيها لله تعالى، ومن سنن الله تعالى في خلقه ابتلاؤهم وامتحانهم، حتى يتبين الصادق في ايمانه، الصابر على بلائه من ضده وهو الكاذب او الضعيف في الايمان، ومن يجزع عند بلائه، قال تعالى: (أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).
اي: فليعلمن الله ذلك ظاهرا يظهر للوجود، ليترتب عليه الجزاء، فيظهر منهم ما علمه الله منهم من الازل، اذ ان الله تعالى من رحمته لا يعاقب عباده على ما علم انه سيكون منهم، قبل ان يعلموا (ونبلونكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، كما قال نبيه صلى الله عليه وسلم «ان عظم الجزاء مع عظم البلاء، وان الله اذا احب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». وقد وردت الاخبار عن وقوع الفتن وكثرتها وشدتها آخر الزمان، وان من رحمة الله بنا ان ارسل الينا نبيا كريما رؤوفا رحيما، حذرنا من كثرة الفتن وشدتها، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج» قالوا: وما الهرج؟ قال صلى الله عليه وسلم: «القتل»، وقال صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالاعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل»، ونظرا لكثرة الفتن وشدة خطرها على العبد، وما ورد من النصوص المبينة لها المحذرة من الوقوع فيها، افردها العلماء بفصول وابواب في كتبهم كأصحاب الصحيح والسنة.
فتن آخر الزمان
وعن احوال فتن آخر الزمان واوصافها، والتي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم يقول د.النجدي: لقد جاء في الاحاديث المتنوعة وصف الفتن بصفات كثيرة نظرا لتنوعها واختلافها واحوالها فمما وصفت به الفتن أنها كقطع الليل المظلم اي اجزاء الليل كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالاعمال فتنا كقطع الليل المظلم»، فشبهت الفتن في ظلمتها بقطع الليل المظلم، كما وصفت الفتن برياح الصيف في تتابعها وسرعة مجيئها وتنوعها، كما في حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال وهو بعد الفتن «منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار»، والثالث ان الفتن يرقق بعضها بعضا، اي تتعاظم الفتن مع ورود الزمن حتى تكون الفتنة السابقة كأنها رفيقة أي هيئة قليلة لشدة ما بعدها وهكذا الأمر بازدياد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه ان يدل أمته على خير ما يعلمه لهم» كما وصفت الفتن بأنها تموج كموج البحر كما ثبت في الحديث أن عمر رضي الله عنه قال: «أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال، قال: هات إنك لجريء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، قال عمر: ليست هذه ولكن التي تموج كموج البحر، وقد شبهت بذلك لشدة اضطرابها واضطراب الناس فيها واختلال أحوالهم معها. والأمر الخامس أن الفتن تعرض على قلوب العباد فتنة فتنة وشيئا فشيئا وتختلف فيها أحوال العباد تجاهها، فمن تقبلها ضل وهلك ومن ردها ونفاها اهتدى ونجا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما اشرب من هواه».
الجهل
وعن أسباب الوقوع في الفتن حتى يتجنبها المسلم فينجو يقول د.النجدي إنها كثيرة متنوعة ومن أسباب الوقوع فيها الجهل فهو آفة عظيمة وداء عضال وهو مع الظلم أصل كل شر وبلية كما قال تعالى (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) وأيضا اتباع الهوى يهوي بصاحبه في نار جهنم إذ ليس له إمام يتبعه بحق بل يتبع ما تهواه نفسه بدون ضابط والنفس امارة بالسوء إلا من رحم ربي قال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) وقال سبحانه (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) فالمؤمن متبع الهوى، وقال تعالى: (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا).
فتن الفرقة والخلاف
ويضيف د.وليد الحمد قائلا: الفتن تنوعت في هذا العصر وكثرت فمنها فتن العقائد، ومنها فتن المفاهيم والأهواء والأفكار، ومنها فتنة المال والدنيا، ومنها فتنة الفرقة والخلاف، ومنها تسلط أعداء الإسلام على أمة الإسلام، فالمرء المسلم معرض لفتن الشهوات والشبهات، ومن الفتن ما تبثه وسائل الاتصال الحديثة من انواع الفساد العقدي والأخلاقي والثقافي، وكما قيل: لا تسل عمن هلك كيف هلك، ولكن سل من نجا كيف نجا، وذلك لكثرة الهالكين والساقطين في الفتن والله يقول: (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) ومن الفتن فتنة الرجل في أهله وماله وولده جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر الناس وقال «هل ترون ما ارى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلا بيوتكم كمواقع القطر» وجاء في بعض الأحاديث أنها «تعرض عليكم كأعواد الحصير عودا عودا، وقال صلى الله عليه وسلم «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» ويقول النبي صلى الله عليه وسلم «انها ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي من يستشرف لها تستشرفه فمن استطاع ان يعود بملجأ أو معاذ فليفعل».
خطورة الفتن
وأوضح د.الحمد خطورة الفتن بأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو افضل هذه الأمة وأخشاها لله وأقواها ايمانا يكثر من سؤال الله الثبات على دينه، كما قالت عائشة رضي الله عنها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: «يا مقلب القلب ثبت قلبي على دينك».
طرق النجاة
ولفت إلى أن هناك طرق نجاة يجب على المسلم أن يسلكها حتى ينجو بدينه من الفتن، وهي الهروب من الفتن وعدم الولوج فيها بألا يتعرض المسلم لها وخاصة عند خفاء الأمر فيبتعد المسلم عن الأسباب الموصلة اليها، والمؤمن الصادق المتواضع الذي يخاف على نفسه فمن خاف نجا، ومن أمن هلك، فإذا رأيت فتنة مال أو نساء أو غيرها من الفتن فابتعد وإياك ومواطن الفتن والريب حتى لا يصيبك منها شيء وقد علمنا سلفنا هذا المنهج فكانوا يخافون منها، فهذا ابن ابي مليكة يقول: «أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخشى النفاق على نفسه»، وهذا أبوهريرة رضي الله عنه يقول: «تكون فتنة لا ينجي منها الا دعاء كدعاء الغريق»، أي الذي بلغ من الخوف والوجل كخوف الذي أوشك على الغرق، فهذه الفتن هي الفتن التي لا يظهر وجهها ولا يعلم طريق الحق فيها، بل هي ملتبسة، فهذه يجتنبها المؤمن ويبتعد عنها بأي ملجأ، ويؤيد هذا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «انها ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه فمن وجد منها ملجأ او معاذا فليعذ به»، ومن هذا الباب قول صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن».
ومن طرق النجاة التمسك بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد روي عن علي مرفوعا: «تكون فتن»، قيل: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم»، والمقصود أن الفتن فتن الشهوات والشبهات وفتن البدع، وكل أنواع الفتن لا خلاص ولا نجاة منها إلا بالتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومعرفة منهج سلف الأمة من الصحابة ومن سلك سبيلهم من أئمة الاسلام ودعاة الهدى، وأيضا الرجوع إلى العلماء الربانيين المعتبرين هو ضمانة من ضمانات البعد عن المحن والفتن، وكذلك لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، وذلك بالرجوع إلى أهل السنة وعلماء السنة الذين حصل لهم الفقه بكتاب الله عز وجل والفقه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرسوها غاية الدراسة وعرفوا احكامها وساروا عليها.
راية الدعوة
وأكد د.الحمد ان من أسباب النجاة من الفتن إعلاء راية الدعوة إلى الله، فإنها وظيفة الانبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين في كل زمان ومكان على علم ومنهج صحيح وبصيرة، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق الوحدة الإسلامية والاخوة الدينية والحذر من الفرقة والاختلاف، لأن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فبلغ المصطفى رسالة ربه وفتح الله به قلوبا غلفا وآذانا صما وأعينا عميا، هدى به من الضلالة وأرشد به من الغواية وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك، وحمل لواء الدعوة بعده صحابته الكرام فبلغوا سنة الله ونشروا رسالة نبي الله صلى الله عليه وسلم وتواصلت فتوحاتهم، وكذلك الدعاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم «تعوذوا بالله من الفتن»، وايضا العلم الشرعي فالعلماء هم قادة الأمة الذين يقودونها إلى بر الأمان الذين يعلمون ما أنزل الله في كتابه وما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيبلغونه للأمة لكي تنجو من الفتن وتسلم في أوقات المحن، وايضا معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته وكيف واجهوا الفتن وتعاملوا معها (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)، والعبادة والطاعة والعمل الصالح أيضا من الطرق التي يخرج بها المسلم من الفتن، فإذا كثرت الفتن يقبل الانسان على العبادة وايضا تربية النفس على الايمان بالله واليوم الآخر وتعظيم امره ومراقبته في السر والعلن، فالإيمان بالله يغرس في القلوب محبته ومرضاته، ويتحقق الايمان بتعرف العبد على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى فيظهر أثرها على السلوك والأخلاق وتظهر قوة الإيمان بها وقت الفتن والشدائد، وكذلك الإيمان باليوم الآخر واليقين بما أعد الله في ذلك اليوم للمحسنين وما أعده للمسيئين تحصل به العصمة بإذن الله من المغريات والشهوات التي هي ظل زائل ولا يعرف حقيقة الدنيا الا من عرف حقيقة الآخرة وما أعد الله للمؤمنين، ومن النجاة ايضا العمل بالعلم والدعوة الى الله تعالى.
النبأ






