وفاة صاحب شفرة حرب أكتوبر.. حكاية نوبي حفظ “السرّ” 40 عامًا

00....0
21 سبتمبر 2021, 9:24 م

عندما رأى أنور السادات ارتجف جسده، وهو الذي عرض على قادته في الجيش قبلها استخدام اللغة النوبية للتواصل بين وحداته في وقت يستعد للحرب مع العدو الإسرائيلي، ليعجب الرئيس بفكرته ويقول له إنها ممتازة، بينما يُشدد عليه إبقاءها سرًا، حفظه ابن النوبة 40 عامًا كاملة، قبل أن يُشاع ذكره في سجل بطولات الحرب والانتصار في أكتوبر، يُعاد بين حين وآخر بفخر واعتزاز، وإن توفى بطله اليوم.

الموت لا يُفرّق، يخطف الجميع، ولكل دوره، وها هو يختار أحمد إدريس، عن عمر يناهز 84 عامًا، ليطوي صفحة جسد وروح هذا الشيخ في الـ21 من سبتمبر 2021، ويعيد ذكر بطولة سطرها شبابه.

أثناء خدمته بالجيش في أوائل السبعينيات، كانت فكرة تشفير الاتصالات اللاسلكية بين الوحدات والقيادة العامة تشغل عقل الجيش، في وقت نجح الإسرائيليين بالتنصت عليها وفك شفراتها في أحيان كثيرة، ليقترح إدريس على قادته فكرة استخدام اللغة النوبية في التواصل، وكانت ترتكز على وضع جندي نوبي على جهاز الإرسال والاستقبال في كل وحدة عسكرية، بينما يتبادل الجنود الكلمات السرية النوبية.

في مركز أبو صوير بالإسماعيلية، مقر خدمة إدريس في ذلك الوقت، لم يكن يمر يوم من دون أن يبلغ الأهالي عن جاسوس، لذا أصابه الخوف عندما استدعاه قادته بشكل مباغت في أحد الأيام، وجد الشاب نفسه مقيدًا في لحظة بـ”كلبشات حديدية”، وحوله عددًا من الضباط، مأخوذًا إلى مكان ما لم يتم الإفصاح له عنه، في جو يحيطه الصمت التام، بينما لا يخيفه إلا أن يكون متهمًا بالجاسوسية، قبل أن يجد نفسه في حي مصر الجديدة، وفي انتظاره السادات! دخل عليه الرئيس حاملاً عصاه والغليون، ليباغته: “فكرتك ممتازة، لكن هننفذها إزاي؟”، فقال له إدريس: “لازم جنود بيتكلموا النوبية، ودول متوفرين في سلاح حرس الحدود”، ليهز السادات رأسه ويحدثه بلهجة حاسمة: “استخدام اللغة النوبية ده سر لو طلع هحاكمك”، ويطلب منه عدم إفشاء السر بعيدًا عن قائد الجيش، قائد الأركان، قائد اللواء، حتى أنه نبه عليه بأن لا يخبر زوجته وأشقائه وزملائه، قبل أن يكافئه بمبلغ 100 جنيهًا.

تم تدريب النوبيين على الخطة الجديدة، واستخدمها الجيش بداية من عام 1971 وحتى حرب 1973، وكان لها فضلًا في تحقيق الانتصار على العدو في أكتوبر، ومن أشهر الكلمات النوبية التى استُخدمت في الحرب كلمة “أوشريا”: “إضرب” وكلمة “ساع أوي”: “الساعة الثانية”، وظل استخدام هذه اللغة كشفرة في البيانات السرية بين القيادات واللواءات حتى عام 1994.

في العام 1937، ولد إدريس في قرية توماس وعافية بمحافظة أسوان. وفي العام 1954، تطوع في الجيش ضمن قوات حرس الحدود. حضر حرب العدوان الثلاثي. وظل فى صحراء سيناء منذ عام 1957 حتى حرب اليمن. وبعدها دخل حرب 1967. ثم كان له الفضل في فكرة استخدام اللغة النوبية كشفرة في انتصار حرب أكتوبر، ولم يعلم أحد بخطة شفرة حرب أكتوبر حتى سنوات قليلة مضت، اعتبرها من الأسرار العسكرية، واحتفظ بها 40 عامًا، قبل أن يفصح عنها، ويلقى على بطولته تقديرًا مصريًا لن يطويه الموت، الذي غيبه اليوم.

مصراوى

(Visited 3 times, 1 visits today)