مقال نيافة الأنبا إرميا مصر الحلوة 419 «وطن يسري في الدماء»

أنبا إرميا Anba ermia
6 أكتوبر 2021, 12:52 م

أود أن أهنئ المِصريين جميعًا بالعيد الثامن والأربعين لنصر أكتوبر المجيد الذي نحتفل به اليوم. نضرع إلى الله أن يمُنّ بالخير والسلام على المِصريين جميعًا، ويرفع الوباء عن بلادنا المحبوبة “مِصر” وعن سائر العالم. إن أكتوبر المجيد هو إحدى المحطات المهمة في التاريخ المِصريّ؛ إذ تجلى فيه التحام الشعب بالجيش، في إرادة لا تهدأ، وعزيمة لا تتزعزع، لأجل العبور ببلادنا من كبوتها ومحنتها آنذاك، وقد تحقق لـ”مِصر” ما أرادت. ومنذ أن عرَفت البشرية معنى “الوطن”، والمِصريون يخُطّون بدمائهم انتصارات على صفحات تاريخهم العريق، تُعلِّم العالم معنى “محبة الوطن”.

إن محبة الوطن أساس تكوين الشخصية المِصرية، والشعب المِصريّ من أوائل الشُّعوب التي عرَفت معنى الوطن الواحد، على ضفاف نهره الخالد الذي تنساب مع مائه تيارات محبة الوطن في شِريان كل مِصريّ. وحين نتحدث عن الوطن، تقفز إلى الأذهان كلمات مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث: “«مِصر» ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا”؛ نعم، فـ”مِصر” هي الوطن الذي يعيش في أعماق كل مِصريّ أينما كان في أيّ بقعة من العالم. إن محبة المصريّ لبلاده أنشد فيها الأستاذ “مصطفى صادق الرافعي”:

بِلَادِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي    يُمَجِّدُهَا قَلْبِي وَيَدْعُو لَهَا فَمِـي

وَلَا خَيْرَ فِيْمَن لَا يُحِبُّ بِلَادَهُ           وَلَا فِي حَلِيفِ الْحُبِّ إِنْ لَم يُتَيَّمِ

وعن عمق هٰذه المحبة واحتلالها مركز الانشغال الأول في قلب المِصريّ، عبّر أمير الشعراء “أحمد شوقي” بلآلئ كلماته الخالدة:

وَطَنِي لَوْ شُغِلْتُ بِالْخُلْدِ عَنْهُ                    نَازَعَتْنِي إِلَيْهِ فِي الْخُلْدِ نَفْسِي

إنه وطننا الذي جذب إليه قلوب كثيرين فتمنَّوا أن تطأ أقدامهم أرضه. أتذكر في لقاء لي مع أحد الأطباء الأمريكيين بـ”الولايات المتحدة الأمريكية”، أنه سألني: ما وطنك؟ فأجبته: “مِصر”. وما إن سمِع الطبيب كلمة “مِصر”، حتى انخرط في حديث طويل عنها، قائلاً إن زيارة “مِصر” تُعد إحدى أمنياته التي لطالما رغِب في تحقيقها في رحلة حياتي، وأنه يود لو أنه يتلامس مع الحضارة المصرية العريقة بزيارته للأهرام والمعابد المِصرية القديمة. ومما لا أنساه من حديثه: في “مِصر”، أنت في رحلة تعبر التاريخ! ترى وتتأمل أمجاد الحضارة العظيمة التي شيدها القدماء وقدموها للعالم، وهي ما تزال واقفةً بإباء وشموخ، تترنم بأمجاد المِصري القديم! وهنا أتذكر كلمات الشاعر:

لَعَمْرُكَ مَا مِصْرُ بِمِصْرٍ وَإِنَّمَا                    هِيَ الْجَنَّةُ الْعُلْيَا لِمَنْ يَتَفَكَّرُ

وَأَوْلَادُهَا الْوِلْدَانُ مِنْ نَسْلِ آدَمَ         وَرَوْضَتُهَا الْفِرْدَوْسُ وَالنِّيلُ كَوْثَرُ

وتقدم لنا صفحات التاريخ ما حققه رجال “مِصر” من القوات المسلحة من بطولات شهِد لها العالم بأسره؛ فنقرأ كلمات وزير الدفاع الإسرائيليّ “موشى ديان” عن أبطال مِصر: “إن المِصريين يملكون كثيرًا من المدرعات، وهم أقوياء … وقد ركزوا قواهم طوال السنوات الماضية في إعداد رجالهم لحرب طويلة شاقة، بأسلحة متطورة تدربوا عليها واستوعبوها تمامًا.”. وفي الندوة الدولية عن “حرب أكتوبر”، التي أقيمت بـ”القاهرة” في أكتوبر ١٩٧٥م، يذكر المؤرخ العسكري الأمريكي “تريڤور دپوي Trevor Dupuy” رئيس “مؤسسة HERO للتقييم العلميّ للمعارك التاريخية” بواشنطن، عن براعة المِصريين في التخطيط والتنفيذ في “حرب أكتوبر”، فيقول: “إن كفاءة الاحتراف في التخطيط والأداء الذي تمت بها عملية العبور لم يكُن ممكنًا لأيّ جيش آخر في العالم أن يفعل ما هو أفضل منها!! ولقد كانت نتيجة هٰذا العمل الدقيق من جانب أركان الحرب ـ وعلى الأخص عنصر المفاجأة التي تحققت ـ هي ذٰلك النجاح الملاحظ في عبور «قناة السويس» على جبهة عريضة.”. ولا شك أن البطولات المِصرية التي شهِد لها العالم تتدفق من محبة الوطن التي تحيا دائمًا في أعماقنا، المحبة التي تتجلى اليوم فيما تشهده بلادنا حاليًّا على طريق بناء “مِصر الجديدة”.

تحية تقدير إلى أبطالنا من رجال القوات المسلحة في ذكرى انتصاراتهم، وتحية خاصة إلى أسر الشهداء الذين قدموا حياتهم فداءً للوطن، وإلى كل بطل شارك في تحقيق النصر. حفِظ الله “مِصر” وصانها من كل شر. و … والحديث في “مِصر الحلوة” لا ينتهي!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ

(Visited 1 times, 1 visits today)