«الملك»

3
20 أبريل 2022, 12:17 م

أهنئكم بـ«عيد أحد السَّعَف» (أو «عيد الشَّعانين» أو «عيد دخول السيد المسيح إلى أورشليم»)، الذي احتفل به مَسيحيو الشرق الأحد الماضى، والذى يعقبه الأسبوع المقدس أو ما تطلق عليه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية «أسبوع الآلام»؛ حيث تتَّبع فيه خطوات «السيد المسيح»، والذى ينتهى بالاحتفال بـ«عيد القيامة».

 

 

وفى «أحد السعف»، دخل السيد المسيح إلى «أورشليم» مصطحبًا تلاميذه؛ فما إن علمت الجموع بقدومه حتى التفوا حوله محتفين به: فمنهم من وضع ثيابه في الطريق، وآخرون قطعوا أغصانًا من الشجر وفرشوها أمامه صارخين: «أوْصنّا لابن داود! مباركٌ الآتى بِاسم الرب! أُوْصَنّا في الأعالى!»؛ ليتحول المشهد موكبًا مهيبًا، ترتج له مدينة أورشليم، ما دعا أهلها يتساءلون: «من هذا؟!». وقد تحدث نبى العهد القديم «زكريا» عن هذا الدخول الوديع البهيج، فقال: «ابتهجى جدًّا يا ابنة صهيون، اهتِفى يا بنت أورشليم. هوذا ملككِ يأتى إليك.

 

 

هو عادل ومنصور وديع، وراكب على حِمار وعلى جحش ابن أتان». وقد سبق ذلك الدخول حدثٌ آخر عظيم هو إقامة السيد المسيح لـ«لعازر» من الموت بعد أربعة أيام، حتى إن مرثا أخته قالت للسيد المسيح حين طلب رفع الحجر عن القبر: «يا سيد، قد أنتن لأن له أربعة أيام»، فأجابها: «ألم أقُل لكِ: إن أمنتِ ترَين مجد الله؟».

 

 

ورُفع الحجر ونادى السيد المسيح بصوت عظيم آمرًا: (لعازر، هلم خارجا! فخرج المَيْت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمِنديل. فقال لهم يسوع: «حُلّوه ودعوه يذهب»). أما الحاضرون، وكانوا كثيرين، فقد رأوا تلك المعجزة؛ فمنهم من آمن بالسيد المسيح، ومنهم من ذهب إلى الفريسيين وأخبروهم بما صنعه فتشاوروا عليه للتخلص منه!!. ومما يلاحَظ في نبوة «زكريا النبى»، أنه وصف شخصية هذا الداخل إلى «أورشليم» بعدة صفات، منها:

 

 

«ملك»

 

 

لقد دخل السيد المسيح إلى «أورشليم» كما الملوك الذين تستقبلهم رعيتهم بالهُتاف، وأغصان الشجر علامة النصر والفرح بهم؛ وهذا ما جعل رؤساء اليهود يمتلئون حقدًا وغيظًا، والفريسيين يقولون بعضهم لبعض: «انظروا! إنكم لا تنفعون شيئًا! هو ذا العالم قد ذهب وراءه!». لقد ظن الفريسيون أن السيد المسيح ملكًا أرضيًّا يفقدهم سلطتهم وسلطانهم، غير مدركين أن مملكته ليست من هذا العالم، بل هي في السماء وقلوب البشر الذين يحبونه بصدق. لم يتمكنوا من فَهم أن «السيد المسيح»، الذي عاش بين البشر الضعفاء والمحتاجين والمتألمين وأولئك الذين ليس لهم أحد يذكرهم، يعمل الخير ويخفف آلامهم ويعلَّمهم، هو محب البشر الذي أتى لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل بإعادتهم إلى الله.

 

 

«وديع»

 

 

اتسمت حياة السيد المسيح بالوداعة، فقيل عنه بفم الأنبياء: «لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في الشارع صوتَه. قصبة مرضوضة لا يَقصِف، وفتيلة خامدة لا يُطفئ»، وكما قال: «احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى، لأنى وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم». تلك الوداعة التي عاش بها بين البشر، جائلًا يصنع خيرًا، فلم يُرَ مهدِّدًا أو متوعدًا أي إنسان، على الرغم من الإساءات التي تحملها من الكتبة والفرِيسيين؛ وكانت تعاليمه لتلاميذه وللشعب بالمحبة والرحمة والبعد عن الشر، قائلًا: «لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضًا».

 

 

ويقصد بمقاومة الشر ما يتعرض له الإنسان من شر أو إيذاء من الآخرين؛ وهذا ما دعا إليه الرسل: «لا يغلِبَنّك الشر بل اغلب الشر بالخير»، وما رأيناه في حياة الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل إيمانهم، حين امتلأت حياتهم بالوداعة، حتى مع مضطهديهم فكانوا يصلون من أجلهم! ويقول القديس «يوحنا الذهبى الفم»: «أفضل وسيلة تتخلص فيها من عدوك هي أن تحوّل هذا العدو إلى صديق»؛ وهذا التحول لا يأتى إلا بالمحبة والوداعة.

 

 

«متواضع»

 

 

لقد دخل «السيد المسيح» أورشليم متواضعًا راكبًا على حِمار وعلى جحش ابن أتان، وهكذا كانت كل حياته منذ ولادته بمذود للبقر، وعمله نجارًا بسيطًا، ثم خدمته وتجواله بين المدن من أجل خلاص البشر دون أن يكون له أين يسند رأسه!

 

 

كل عام وجميعكم بخير. و… والحديث عن «مِصر الحلوة» لا ينتهى!

 

 

* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

(Visited 6 times, 1 visits today)