«من تل بسطا إلى مريوط»

1
1 يونيو 2022, 10:02 ص

أهنئكم جميعًا اليوم في مناسبة اختص الله بها «مِصر» والمِصريين ببركة فريدة لم ينَلها أي شعب آخر في العالم: وهى تَذكار «دخول العائلة المقدسة أرض مِصر». فعندما أُرسل الملاك في حُلم إلى الرجل البار «يوسف النجار» ليترك «بيت لحم» ويهرب إلى «مِصر»؛ نالت بلادنا شرف استقبال «العائلة المقدسة»، حيث أضافت «السيد المسيح» وأمه القديسة السيدة العذراء بصحبة القديس «يوسف النجار»، فعاشوا بين رُبوعها متنقلين في مدنها وقراها.

 

 

وتُعد رحلة هروب «العائلة المقدسة» إلى «مِصر» حدثًا دينيًّا تاريخيًّا متفردًا مازال محط أنظار العالم بأسره إلى «مِصر»، واسترعى مسارها اهتمامًا عالميًّا واسعًا بعد أن اعتبره غبطة بابا الڤاتيكان «رحلة حَجّ مَسيحى»، فضم برنامج الڤاتيكان الرسمى زيارة المسار.

 

 

كذلك اهتمت الحكومة المِصرية بتدشين مشروع سياحى باسم «مسار العائلة المقدسة». وقد افتُتحت أول منطقة أثرية بالمسار بمدينة «سمنود» بمحافظة الغربية، واستُقبل أول وفد رسمى من الڤاتيكان في يونيو 2018، في رحلة استمرت خمسة أيام. وعام 2020م، بدأت الزيارة الرسمية الأولى لعدد من السائحين القادمين من إيطاليا، أعقبتها زيارة وفد سويسرى فرنسى.

 

 

لقد بدأت رحلة «هروب العائلة المقدسة» قبل ما يزيد على ألفَى عام، حين سعى «هِيردُوس» الملك للتخلص من «السيد المسيح»، فظهر ملاك الرب للقديس «يوسف النجار» في حُلمٍ وأمره بالهروب إلى أرض «مِصر». فأسرع «يوسف البار» وأخذ الصبىّ وأمه ليلًا هاربًا إلى «مِصر»، في ارتحالٍ أقل ما يقال عنه رحلة الأخطار الشاقة، إذ كانت «العائلة المقدسة» تهرب من ملاحقة الجند الرومان؛ فتبتعد عن الطرق المعروفة للقوافل التجارية ورحلات السفر آنذاك؛ هربًا من شر «هِيرودُس» الذي أرسل جواسيسه لاقتفاء أثر «العائلة المقدسة» والقبض على الصبى ليُهلكه.

 

 

.. أمّا المسار الذي اتخذته «العائلة المقدسة»، فقد بدأ من «الفَرَما»، التي كانت باب دخول «مِصر»، حيث أقامت بضعة أيام، ثم تحركت نحو شرق الدلتا: وهناك توقفت في «تل بسطا» قرب مدينة «الزقازيق» بمحافظة «الشرقية» حيث انكفأت تماثيل الآلهة الوثنية متحطمةً!! وعلى الفور، انتشر خبر الحادث في أنحاء البلدة حتى وصل إلى حاكم المدينة، الذي أدرك أن السبب هو وجود سيدة تحمل طفلًا صغيرًا، الأغلب هو الطفل المقدَّس الذي يبحث عنه «هِيرودُس»؛ فأمر بالقبض عليه؛ فأسرعت «العائلة المقدسة» بمغادرة المدينة ليلًا واتجهت إلى مدينة «مسطرد».

 

 

أقامت «العائلة المقدسة» بمغارة في «مسطرد»، حيث أنبع السيد المسيح نبعًا اغتسل بمائه وتحمَّم؛ لذلك يُدعى المكان بـ«المَحَمَّة»، وكان ماء ذلك النبع يشفى كل من يستعمله.

 

 

ثم بُنيت بالمكان فيما بعد كنيسة على اسم «السيدة العذراء» معروفةٌ باسم «العذراء بمسطرد». انتقلت «العائلة المقدسة» إلى مدينة «سمنود» حيث استقبلها أهلها استقبالًا حافلًا ونالوا بركة خاصة من السيد المسيح، وبالمدينة ماجور كبير من الجرانيت عجنت فيه القديسة السيدة العذراء، وأيضًا بئر ماء باركها السيد المسيح. وانتقلت «العائلة المقدسة» إلى «سخا»، حيث حجر هو قاعدة عمود طُبعت عليه أثر قَدمى السيد المسيح.

 

 

وفى أثناء انتقال العائلة المقدسة من مدينة «سخا» إلى «وادى النطرون»: باركت «العائلة المقدسة» منطقة «مريوط»؛ حيث انتقلت من «سخا» إلى «بحيرة مريوط»، ومنها إلى مدينة «بومينا الأثرية»، ثم «وادى النطرون» الذي باركه السيد المسيح وتنبأ أنه سوف يمتلئ بالنُّساك والمتوحدين والمتعبدين لله.

 

 

وصلت «العائلة المقدسة» بعد ذلك إلى «المطرية وعين شمس»، حيث انهارت أوثان المدينة وتهدمت، ثم انتقلت إلى «المعادى»، حيث مرت بمنطقتى «الزيتون» و«مِصر القديمة»؛ ثم «البهنسا» فـ«سمالوط» ومنها إلى «جبل الطِير»، فـ«الأشمونين» حيث ارتجفت الأوثان أيضًا وتهشمت.

 

 

استكملت «العائلة المقدسة» مسيرتها إلى أن وصلت إلى «ديروط أم نخلة» في الجنوب ومنها إلى «جبل قُسقام»- به الآن «دير المُحَرَّق»- إذ استقرت بإحدى مغاراته ستة أشهر وعشَرة أيام حتى ظهور الملاك للبار «يوسُف النجار» مرة أخرى، يخبره بإمكانية العودة إلى أرض «فلسطين» بعد موت «هيرودوس». وهكذا حظيت «مِصر» وشعبها ببركة خاصة جدًّا امتازت بها عن سائر بلدان العالم، محققة النبوءة: «مباركٌ شعبى مِصر».

 

 

كل عام وجميعكم بخير وسلام، ضارعين إلى الله أن يُديم على بلادنا البركات، ويحفظها من كل شر ويمنح العالم السلام و… وفى «مِصر الحلوة» الحديث لا ينتهى!.

 

 

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

(Visited 5 times, 1 visits today)