النائب العام يضع الرئيس في ورطة.. إما أن يعود مرسى فيخسر الشارع.. أو يستمر فيصطدم بالقضاء

12 أكتوبر 2012, 10:26 ص

لا شك أن هناك أزمة كبيرة بين السلطة التنفيذية، متمثلة في الرئيس محمد مرسي منذ توليه مهام منصبه ونقل سلطة التشريع لنفسه وبين السلطة القضائية، تمثلت تلك الأزمة في أن الرئيس مفترض فيه أن يكون حكما وفصلا بين السلطات، فإذا به نقل سلطة التشريع لنفسه أي أصبح يملك سلطتي التنفيذ والتشريع فيستطيع أن يسن القوانين، التي تمكنه من تنفيذ ما يراه صالحا من وجهة نظره.

هذا الأمر ولد مخاوف كثيرة لدى العديد من رموز السلطة القضائية، أولا لأن الرئيس ينتمي لجماعة الإخوان، التي ترى أن نظام مبارك استخدم القضاء في تحجيم الجماعة ومصادرة أموال أعضائها وسجنهم، كما أن هذا القضاء هو الذي حكم بعد الثورة بحل برلمان الأغلبية الإخوانية وجعل السلطة التشريعية تنتقل إلى المجلس العسكري، ويرى الإخوان أن ذلك تم بمؤامرة، ومن ثم فالتخوف الذي يتبادر للعقل فورا هو أن تضغط الجماعة على الرئيس للتخلص من جميع القضاة، الذين تحسبهم على النظام السابق، وهم كثر من وجهة نظر الإخوان.

ولم تفلح تطمينات الرئيس مرسي قبل وبعد توليه السلطة في القضاء على مخاوف القضاة، خصوصا أنه وجماعته ظلوا يشككون في اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة حتى لحظة إعلان النتيجة، بل وحشدوا في الميادين استعدادا لموجهة قرار اللجنة بإعلان الفريق أحمد شفيق رئيسا، فإذا باللجنة تعلن مرسي رئيسا، بل وفي مؤتمر إعلان النتيجة شن القاضي فاروق سلطان، رئيس اللجنة هجوما ضاريا على الإخوان قبل أن يعلن مرسي رئيسا، ليقول لهم أنتم هاجمتونا وشككتم في ذمتنا وها نحن القضاة نعلن مرشحكم رئيسا.

أسقط الأمر في يد الإخوان والرئيس الجديد، ولم يستطيعوا الرد على هجوم سلطان ولو بكلمة عتاب، بل تحول هجومهم إلى إشادة بالقضاء النزيه الشامخ، حتى ظهرت أزمة حلف الرئيس الجديد لليمين الدستورية، التي كانت بموجب الإعلان الدستوري المكمل، الذي أصدره المجلس العسكري بعد حل البرلمان أمام قضاة المحكمة الدستورية، وكان في ذلك أزمة كبيرة، حيث إن الجماعة وبعض القوى المناصرة لها لا تعترف باليمين أمام قضاة محسوبين على النظام السابق من وجهة نظرهم، بل عارضوا الثورة بحل البرلمان -من وجهة نظرهم أيضا-، ولابد أن يكون اليمين أمام أعضاء مجلس الشعب المنحل، حيث لا تعترف الجماعة بحل المجلس، لكن هذا الطرح لاقى هجوما كبيرا في المجتمع، ولما كان مرسي يريد الخروج من الأزمة فقد حلف أمام المتظاهرين في ميدان التحرير قبل موعد حلف اليمين أمام المحكمة الدستورية بليلة واحدة، ولما ذهب إلى المحكمة الدستورية صباحا كان يريد أن يحلف اليمين دون بثه على التليفزيون، حتى لا يسجلها عليه التاريخ من وجهة نظره أنه حلف أمام قضاة المحكمة، الذين تراهم جماعته متآمرين وحلوا البرلمان بتوجيه سياسي.

إلا أن قضاة المحكمة الدستورية رفضوا ذلك، وقالوا له إن اليمين الدستورية كأن لم تكن مالم تكن معلنة وأمام الرأي العام، وكادت تنشب أزمة كبيرة داخل المحكمة لولا أن تم التوصل لحل وسط بأن يتم تسجيل اليمين الدستورية وبثه بعد المونتاج على التليفزيون، وحاول مرسي بعد ذلك إرضاء قضاة المحكمة الدستورية بأن اصطحب معه بعد حلف اليمين المستشار فاروق سلطان، رئيس المحكمة وقتها، إلى حفل تسليم السلطة بجامعة القاهرة، بل والملفت، الذي انتقده الكثير من الإخوان حضور الحفل، هو أن الرئيس قدم سلطان على نفسه وجعله يلقى كلمة قبل كلمته، وفي تلك الكلمة بدا سلطان هادئا بعض الشيء شاعرا بنشوة المنتصر، وبالطبع ذلك أغضب الكثير من قيادات الإخوان، وعلى رأسهم الدكتور محمد سعد الكتاتني، رئيس مجلس الشعب المنحل على يد سلطان، الذي كان يجلس بين صفوف الجماهير، التي يلقي عليهم سلطان الكلمة.

شعر سلطان بنشوة أكبر حينما أشاد مرسي في كلمته بدور القضاء في المرحلة الانتقالية، خصوصا اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة وإدارتها العملية الانتخابية بنزاهة، وبالطبع كل إشادة من مرسي بقضاة المحكمة الدستورية تزيد من حجم الغضب في قلوب أعضاء الجماعة الساخطين عليها بسبب حكم حل البرلمان وتاريخ طويل آخر من العداء.

زادت الأزمة المكتومة بين القضاء والرئيس، والمغلفة برقائق المدح على استحياء، حينما كان أول قرار يصدره الرئيس وهو إعادة مجلس الشعب المنحل لعقد جلساته، متحديا حكم المحكمة الدستورية وضاربا به عرض الحائط، وكما وصفه بعض القضاة وقتها -إلا مناصري مرسي- بأنه انقلاب على الشرعية واعتداء صارخ على السلطة القضائية، وأصدرت المحكمة الدستورية وقتها بيانا أبدت فيه استياءها مما حدث، لكنها في النهاية تركت الأمر مفتوحا حين قالت إنها أصدرت حكمها وليست هي المنوطة بتنفيذه.

هنا ظن الرئيس والمراقبون أن المحكمة ستسلم بالأمر الواقع ولن تفعل شيئا بناء على بيانها، لكن المفاجأة أن المحكمة في اليوم التالي أعلنت عن تلقيها طعونا على قرار الرئيس بعودة البرلمان، وحددت لأحدها جلسة عاجلة، وكان حكمها المفاجيء والسريع بوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية، واستمرار حكمها السابق باعتبار البرلمان منعدما.

أسقط الأمر في يد الرئيس والجماعة مرة أخرى من القضاء ومن المحكمة الدستورية، وسلم مرسي بحكم القضاء وأبدى احترامه له، مما فسره البعض في المرة الأولى أن الجماعة ضغطت عليه وأن مستشاريه أوقعوه في خطأ الصدام مع القضاء وأنها خطوة غير محسوبة.

ترك مرسي الأمر للجماعة كي تسعى وراء عودة مجلس الشعب قضائيا بدعاوى وطعون أمام مجلس الدولة، لكن المحكمة الإدارية العليا هذه المرة هي التي قضت على أي حلم للإخوان بعودة البرلمان، فراح الإخوان يكيلون لها الاتهامات، رغم أن قضاء مجلس الدولة على وجه الخصوص مشهود له بالتاريخ الحافل من الأحكام الثورية حتى قبل الثورة.

بالطبع زادت الأزمة بين الجماعة والقضاء وبالتبعية بين الرئيس والقضاء، وأصبحت متشابكة مع مختلف الهيئات القضائية، وزادت تشابكا حينما اختار رئيس حكومة مرسي المستشار أحمد مكي، وزيرا للعدل، وهو أبرز قضاة تيار الاستقلال القضائي، وهو التيار الذي لا يلاقي شعبية كبيرة بين القضاة، ومن ثم فقد لاقى الأمر معارضة من رئيس نادي قضاة مصر المستشار أحمد الزند، المعروف هو ومؤيديه الكثيرين من القضاة بخلافهم مع قضاة تيار الاستقلال بل وصدامهم معا أحيانا وفي ملفات عديدة، حيث يرى تيار الزند أن مكي منحاز للجماعة وسينتقم لها من القضاة المخالفين لها، وقد بدأ الأمر باختيار جميع مساعديه من قضاة تيار الاستقلال، ولم يعين أي مختلف معه في أي منصب بالوزارة.

نشبت أزمة جديدة على السطح بظهور تصريحات تنسب لمسئولين إلى وجود توجه لدى الرئيس بتعديل قانون المحكمة الدستورية وتقليص دورها بموجب سلطة التشريع التي معه الآن، بعد إطاحته بالمجلس العسكري وإصداره إعلانا دستوريا جديدا وإلغاء الإعلان المكمل، وجاء ذلك بالتوازي مع ظهور أخبار أخرى تقول إن هناك توجها بالجمعية التأسيسية للدستور لإلغاء المحكمة الدستورية او تقليص دورها بالدستور الجديد.

لكن الرئيس اجتمع بالقضاة وطمأنهم من أنه لا نية لديه بتقليص دور أي هيئة قضائية ولا إلغائها، كما أن المستشار حاتم بجاتو، عضو المحكمة الدستورية، حضر إلى الجمعية التأسيسية واطمأن إلى عدم وجود نية لإلغاء أو تقليص دور المحكمة الدستورية بالدستور الجديد، مما جعل الأزمة بين القضاء والسلطة الحاكمة الآن تتوارى بعض الشيء، لكنها لم تختف، بل يظهر الحديث عنها مع كل قضية أو أحكام قضائية تثير جدلا في الشارع.

وتفجرت الأزمة في وجه مرسي مساء الخميس، حينما أقدم الرئيس على إصدار قرار جمهوري بإقصاء النائب العام المستشار عبد المجيد محمود عن منصبه، وتعيينه سفيرا لمصر بالفاتيكان، وذلك بالمخالفة لقانون السلطة القضائية الحالي، الذي يحظر عزل القضاة أو النائب العام حفاظا على استقلالهم، وأيضا على الرغم من أن النيابة العامة لا صلة لها بقضية موقعة الجمل، التي حصل جميع المتهمين فيها على البراءة، وتسببت في مظاهرات بالشارع يريد الرئيس إنهائها ولو بقرار لا علاقة له بما يعترضون عليه.

لا شك أن مرسي اعتمد في هذا القرار على نفس مستشاريه وخبرائه القانونيين، الذين صاغوا له من قبل قرارات 12 أغسطس الشهيرة، التي أطاحت بالمجلس العسكري وإعلانه الدستوري المكمل، ونقلت سلطة التشريع للرئيس، ولاقت تصفيقا كبيرا من الشارع، الذي نظر فقط إلى جانب التخلص من المجلس العسكري، ولم يهتم بخطورة أن تكون السلطة التنفيذية والتشريعية في يد الرئيس، وكذلك سلطة أن يصدر إعلانات دستورية كما فعل في 12 أغسطس.

حالة التصفيق بعد كل قرار من القرارات الأخيرة، التي اتخذها الرئيس بداية من إقالة مدير المخابرات العامة بعد حادث رفح وحتى إقالة رئيس جهاز التنظيم والإدارة قبل أيام هي التي سيطرت عليه هو ومستشاريه بلا شك، حينما أقدموا على قرار إقصاء النائب العام من منصبه وتعيينه سفيرا، للهرب من مأزق أن النائب العام لم يستقل.

الرئيس ومستشاروه سيطرت عليهم حالة انصياع جميع المحسوبين على النظام السابق من القيادات والمسئولين لأي قرار جمهوري يتم إصداره، وعزز ثقتهم في ذلك أن الرئيس تخلص من المشير طنطاوي والفريق سامي عنان وقيادات المجلس العسكري، الذين كانوا يقودون البلاد، بل وكانت معهم سلطة التشريع وإصدار الإعلانات الدستورية، وأيضا القوات المسلحة بعتادها وقواتها.

كل ذلك جعلهم على ثقة كبيرة بأن النائب العام سيقبل تعيينه سفيرا ويقبل قرار إقصائه، لكن فات عليهم هذه المرة أن النائب العام يستند لشرعية قانونية، حتى وإن كانت عليه علامات استفهام كثيرة، وفوق ذلك أن القرار لا يمس النائب العام فقط بل جميع القضاة، ومن ثم فالقبول بهذا القرار اليوم على من تثور حوله علامات استفهام، فمن يضمن للقضاة عدم تطبيقه مستقبلا على أي قاض منهم يصدر أحكاما ضد إرادة الرئيس ونظامه؟.

وبالفعل هاجم جموع القضاة هذا القرار، حتى قضاة تيار الاستقلال المنتمي إليه وزير عدل الرئيس، وأصبح الرئيس الآن أمام أزمة كبيرة، إما أن يصطدم مع السلطة القضائية بجميع أعضائها -حتى مناصريه- أو يعود عن القرار فيصبح في مواجهة مع الشارع ومع جماعته، ويسجل عليه اعترافه بإصدار قرار خاطيء ومخالف للقانون.

وبذلك نجد أن قرار الرئيس، غير المحسوب، ضد النائب العام وضع الرئيس نفسه في ورطة، وفي الوقت الذي يجلس فيه النائب العام مستريحا بعد نفيه تقديم استقالته، يستمر مرسي في حيرته ومشاوراته مع مستشاريه، الذين نأمل أن يكونوا غير الذين ورطوه، لحل هذه الأزمة.

بوابه الاهرام

(Visited 1 times, 1 visits today)