دكتور مرسي.. مرحبا بك في ”نادي المستبدين”

بقلم – تامر أبو عرب
”قال لك مثلا ده صلاة الجمعة بتتكلف 3 مليون جنيه. 3 مليون جنيه؟ يعني كل ركعة بكام يعني؟ ولا بتتكلف ولا مليم. ده الحرس بتاع الدولة موجود. وبنروح نصلي ونرجع. أمال صلاة الفجر بتتكلف كام؟ لا ملهومش دعوة بصلاة الفجر دول. بتتكلف كام دي روخرة؟”
المكان: استاد القاهرة الدولي
الزمان: مساء السادس من أكتوبر 2012
القائل: الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية
لا مشكلة إذن في تعطيل مصالح العباد وإصابة شوارع مصر بالشلل ووقوف المجندين بالساعات مادام الأمر لا يتكلف الكثير من الأموال. هذا تحول غريب وسريع لرجل بدأ فترته الرئاسية بالعطف على جنود الحرس الجمهوري وتوبيخ قادتهم لكثرة وقوفهم في الشارع.
يري الدكتور مرسي الآن أنه مادام أصبح رئيس الدولة فمن واجبها أن تحميه مهما كلفها الأمر من مال وجهد. يرى أنه أفضل من كل معارضيه لأنه يصلي الفجر. يرى أن كونه يخدم البلاد دون مقابل فواجب على الجميع أن يحترمه ويطيعه دون أن يسأل عن الإنجازات. أما أنا فأرى أن الرئيس بات على مقربة من دخول نادي المستبدين الذي يبدو أن حسني مبارك لن يكون آخر أعضائه.
لا تصدق أن مرسي في طريقه للتحول إلى ديكتاتور مستبد وترى في الأمر مبالغة ما؟ نحسبها
لغويًا يُعرِّف ”لسان العرب” المستبد على أنه ”الذي يمضي رأيه ولا يشاور أحدا ولا يُبالي كيف وقع رأيه”، ومنذ تولى الرئيس مرسي منصبه يتخذ قرارات لا يبدو أنه شاور فيها أحدا، ولا يبدو أنه كان يبالي بنتائجها، فأول رئيس بعد الثورة قرر عودة مجلس الشعب للانعقاد بالمخالفة للقانون، وأقال النائب العام من منصبه بالمخالفة للقانون، وبدا أنه يعتقد أن مهام منصب الرئاسة تقتصر على إقالة المسؤولين والسفر للخارج!
لا تنخدع بالمستشارين الذين عينهم الدكتور مرسي في مؤسسة الرئاسة، لأن الرجوع إليهم في أي أمر سيظل مكرمة وتفضلا منه، فلا شئ يجبره على استشارتهم في أي أمر، ولا قانون يوقفه إن أراد اتخاذ قرار انفرادي، ولا قوة تحول بينه وبين اتخاذ قرار أجمع جميع مستشاريه على خطئه.
سياسيًا، تقترب لغة الرئيس مرسي شيئا فشيئا من سلفه فيما يخص المعارضة، فبات يتهمها بالتصيّد وعدم الاعتراف بالإنجازات التي تتحقق، وتشعر أنك ستسمع منه ”خليهم يتسلوا” بعد خطابين من الآن، ويستند الرئيس في ذلك إلى عشرات الآلاف من المناصرين الجاهزين للنزول إلى الشارع في أي وقت لمناصرة قراراته دون حتى أن تعرفها.
ورث مرسي عن المستبدين القدامى كثرة الكلام، فلا يمر أسبوع دون أن يُلقي خطابا مطولا، وربما أكثر، يكرر فيه كلامه عن استمرار الثورة ودماء الشهداء والأزمة السورية والقضية الفلسطينية وتحسن الإقتصاد، وقد بُنيت الديكتاتوريات على ثلاث حناجر تستقطب العامة، وسجون تستوعب النخبة، ومنظرين يسوّقون السياسات.
تاريخيًا، بدأ جميع رؤساء مصر فتراتهم الرئاسية بالتقرب إلى الشعب بصورة تصل إلى التملق، ومع مرور الوقت واستتباب السلطة وغياب الضوابط، تصوروا أنهم لا ينطقون عن الهوى، وأن كل معارضيهم خونة أو قليلي الفهم، ومكّنتهم دساتير فصّلها دراويشهم وأغلبياتهم، من وضع يدهم على جميع السلطات.
مستبد ”بمزاجه”!
قبل أسابيع كتب الدكتور علاء الأسواني مقالاً عن ”فن صناعة الديكتاتور”، تناول فيه كيفية مساهمة الإعلام والمؤيدين في تحويل مرسي إلى ديكتاتور، لكن الجديد أن ممارسات الرئيس ومواقفه وقراراته تؤكد أنه راعي صناعة الاستبداد وكبير صُناعها.
من شيم الديكتاتور المستبد التراجع عن وعوده لأنه يعلم أن لا أحد سيحاسبه عليها، وقد تراجع مرسي فعلا عن كثير من وعوده، أولها وعده في حملته الانتخابية بتعيين نائبين أحدهما قبطي والآخر سيدة، وبعد وصوله إلى السلطة لم يفعل ذلك واكتفى بوجودهما في فريق المساعدين، كما قاد بنفسه حملة لتطهير سيناء من البؤر الإجرامية والإرهابية لكنها فشلت فشلا ذريعا وبدلا من أن تضعف شوكة التطرف قويت، وبدأت عمليات تهجير وتهديد للأسر القبطية، لكن الرئيس لم يجد في ذلك أدنى أزمة في مصداقيته.
أما أكبر الوعود التي تراجع عنها الرئيس فكانت برنامج الـ100 يوم الذي تطوع المرشح الدكتور محمد مرسي بالتعهد بتنفيذ بنوده، وبعد فشل البرنامج الذريع خرج الرئيس مرسي في خطاب الاستاد ليكتفي بمهاجمة خصومه والوعد بمواصلة محاولات تنفيذ البرنامج في قادم الأيام ”هي يعني الدنيا طارت؟؟”.
القمع أقوى علامات المستبدين، ومنذ وصول مرسي إلى مقعده صار التعبير عن الرأي مغامرة غير مأمونة العواقب، إن خرجت للاحتجاج والاعتصام ستجد عصا الأمن الغليظة تكسر عظامك، ثم تجد نفسك أمام النيابة بتهمة قطع الطرق والتعدي على الشرطة أثناء تأدية واجبها المقدس، وإن اكتفيت بالكتابة والكلام لاحقتك قضايا سب الرئيس وإهانة المؤسسات وقلة التربية.
قال مرسي ما قاله سلفه: لن أقصف قلمًا
فعل مرسي مافعله سلفه.. كلاهما لم يقصفا القلم.. لم يتعرضا للقلم.. لكنهما قصفا رقبة صاحب القلم نفسه وطارداه في المحاكم.
قضايا كثيرة رُفعت ضد الصحفيين بتهمة إهانة الرئيس دون أن يحرك ساكنا.. جميع مقدمي البرامج الذين سمموا أبدان صقور الحزب الوطني السابقين، ثم عادوا إلى بيوتهم وغطّوا في نوم هادئ، يخرجون الآن من الاستديو إلى النيابة، لأن رجال حزب الرئيس وجماعته يضيقون بأي كلمة تمس شعرة من لحاهم.
بدأ مرسي رئاسته بإصدار أوامر تمنع نزول إعلانات تهنئه بالفوز، وبعد 100 يوم من الرئاسة، لا يزعج الرئيس وجود قنوات تسبح بحمده ليل نهار، وصحف تجعل كل إشارة من يده توجيها حكيما نحو طريق النهضة.
بدأ مرسي سكة اللي ”يروح ميرجعش غير ديكتاتور” وإذا لم يتدارك نفسه ويقرر العودة سريعا، ربما تنتهي رحلته بـ”موعد مع مبارك”.
مصراوى






