توماس جورجيسيان يكتب..لماذا يسكت أوباما عن أخطاء مرسى؟

 

الدستور قد يكون مبهمًا لكنه لا يفرض حكما دينيا فى مصر.. وإذا تم تمريره فكيف يطبقه البرلمان القادم؟

تزايُد الإقبال والمشاركة فى عملية الاستفتاء كان من الطبيعى أن يلفت أنظار واهتمام أهل واشنطن وإعلامها. إلا أن هذا المشهد لم يقلل من قلق ومخاوف الكثيرين من عواقب اليوم التالى ومن تبعات «ما بعد الاستفتاء» خصوصا أن حالة الانقسام والاستقطاب والغليان والتوتر أصبحت أمرا واقعا ومؤلما يشاهده ويشهده العالم بل يتحدث عنه قَلِقًا ومتخوِّفًا. و«ربنا يستر» يقولها لسان حال المهتمين بمصر والمهمومين بشأنها. خصوصا الذين «لا يريدون أن تنهار مصر العظيمة شعبا وتاريخا وحضارة» وأيضا الذين «لا يتمنون أن يكفر الناس بالديمقراطية وقيمها الإنسانية».

وبالطبع لا يزال أغلب المعلقين يتساءلون عن الرئيس الأمريكى باراك أوباما وصمته المحير.. والمريب. هل هو صمت الحكيم الذى «ينتظر أن يحسم المصريون أمرهم بأنفسهم» أم صمت العاجز المتخاذل الذى «لا يريد المواجهة ويفضل الانتظار.. لعلّ وعسى».

صحيفة «نيويورك تايمز» وفى تقرير كتبه ديفيد كيركباتريك من القاهرة تناولت تصريحات لمسؤولين كبار فى إدارة أوباما دون الكشف عن أسمائهم للحديث عن أوباما و«الخيط الرفيع الذى يمشى عليه فى علاقته مع الرئيس المصرى» ولماذا وهو يتحدث معه تليفونيا عن أحداث الاتحادية لم يوبّخه. بل وكما قال مسؤول كبير بإدارة أوباما فإن الرئيس الأمريكى سعى لبناء على علاقته المتنامية مع نظيره المصرى مشيرا إلى السيد مرسى بأن من مصلحته أن يقدم لمعارضيه حلولا وسطا حتى يبنى ثقة فى حكومته. وقال مسؤول رفيع آخر بالإدارة: «كان الأسبوعان الأخيران مقلقين بالطبع إلا أننا ما زلنا ننتظر لنرى»، مضيفا: «شىء واحد نستطيع قوله عن مرسى: إنه قد تم انتخابه وبالتالى لديه بعض الشرعية». وما حرص على قوله المسؤولون بإدارة أوباما لـ«نيويورك تايمز» أن مرسى بصفته أول رئيس منتخب ديمقراطيا فى مصر لديه فرصة مميزة لبناء عملية ديمقراطية تحظى بالثقة وبمشاركة واسعة النطاق. وبأن هذا أضمن مصدر للاستقرار، وأن الخطوات الخاطئة التى اتخذها مرسى كما تبدو تعد أمورا تكتيكية وليست أيديولوجية، وأن مسودة الدستور (حسب ما نُقل عن هؤلاء المسؤولين) قد تكون مبهمة إلا أنها لا تفرض حكما دينيا. وقال تومى فيتور المتحدث باسم مجلس الأمن القومى: «سيكون السؤال كيف سيقوم البرلمان القادم بتطبيق ما هو الدستور؟ وما هى رؤيتهم لمصر؟». وفى التقرير ذاته يشير مسؤولو البيت الأبيض فى معرض دفاعهم عن مرسى إلى أنه يتعلم من أخطائه. وما دام احتمال الموافقة على الدستور واردا فإنهم سيقولون له «بصفتك الرئيس المنتخب ديمقراطيا لمصر وقد تم تمرير الدستور للتوّ فإن العبء الملقَى عليك هو أن تحاول علاج هذا الانقسام». والاقتراح الذى ورد على لسان أحد هؤلاء المسؤولين الأمريكيين هو أن يبدى مرسى الاستعداد أو الإرادة لتعيين أعضاء فى مجلس الشورى!! اقتراح جدير بالتأمل وأيضا بالاستغراب.

موقف الإدارة الأمريكية كان له نصيب أيضا من انتقاد صحيفة «واشنطن بوست»، إذ وهى تتعرض للتوتر المتصاعد فى مصر قالت فى افتتاحية لها منذ يومين: «على الرغم من أن الولايات المتحدة تستمر فى إمداد وتمويل الجيش وشاركت مع حكومة مرسى خلال أزمة غزة الأخيرة فإنها كانت فى موقف المتفرج الذى لا يتدخل فى الدراما الأخيرة. إلى حد ما فإن هذا الأمر لا مفر منه. فلا جانب من الجانبين فى مصر يميل خاصة للإصغاء إلى واشنطن. لكن لهو من مصلحة أمريكا أن تبقى السياسة المصرية تعددية وتنافسية وسلمية. وإدارة أوباما يجب أن تشترط كل المعونة بهذه الأولويات». وواصل الكاتب والمعلق السياسى الشهير ديفيد إجناشيوس انتقاده لـ«رهان» الإدارة على مرسى أو السكوت عما فعله فى الفترة الماضية. إجناشيوس بعد أن نشر مقاله المثير للنقاش «رجلنا فى مصر» فى «واشنطن بوست» تساءل فى أحاديث تليفزيونية عديدة عما ستفعله الإدارة فى ما يخص مصر، وهل ستسكت وتلتزم الصمت تجاه كل ما يفعله مرسى؟ ولماذا تشعر الإدارة بالحرج فى انتقاد مرسى والإخوان؟ وبينما كانت مساندة مرسى الخطوة الصحيحة، كما قال إجناشيوس، فإن «ما هو ليس بالأمر الحسن بالنسبة إلينا التغاضى عن ممارسات معادية للديمقراطية من جانب النظام أو أن نبقى صامتين عندما يقوم النظام بفعل أشياء تزعج المصريين. والمشكلة أننا لم نفتح أفواهنا بينما كان هو (مرسى) يقوم بالقضاء على السلطة القضائية».

فى السياق ذاته واصل أيضا الكاتب الأمريكى الشهير توماس فريدمان كتابة ونشر ملاحظاته وتعليقاته عما يجرى فى بر مصر. وذلك بعد زيارة قصيرة له لمصر عاد بعدها ليكتب «هل يحفظ الله مصر؟» (نشر يوم الأربعاء الماضى فى «نيويورك تايمز» ونشرت «التحرير» الترجمة فى اليوم التالى) ثم مقالا آخر أمس (الأحد) بعنوان «مصر: هل هى الهند القادمة أم باكستان القادمة؟». فريدمان تحدث بعد عودته من مصر عن كيف خيّب مرسى آمال من «توسَّموا فيه خيرا» و«توقعوا منه خطوات جريئة لتحريك الركود السياسى» إلا أن هذا لم يحدث.. وأنه فى حالة عزلة، حسب وصف فريدمان فى حديث تليفزيونى له مع شبكة «إم إس إن بى سى». فريدمان فى حواره رغم عدم اقتناعه تماما بصمت أوباما فإنه أبدى تفهما وقدم تفسيرا «أى شىء نقوله سيتم استخدامه وبالتأكيد يمكن استعماله ضدنا.. إذا قلنا أى شىء ضد مرسى فإنه سيقوم بانتزاع الشرعية عن معارضيه وسيقوم باستعماله ضدهم والعكس صحيح».

فريدمان وهو يصف ما يمكن فعله فى هذا الموقف الحرج قال بطريقته المعهودة: «علينا إقامة الجسور أينما كان هذا ممكنا ووضع الخطوط الحمراء أينما كان هذا ضروريا». كما أن فريدمان بما أنه كان عائدا للتوّ من مصر مصدوما (كما قال) بالانقسام أو الاستقطاب الذى تشهده البلاد اقترح بطريقة عابرة أو أوصى بأن يشاهد الرئيس مرسى فيلم «إنفكتوس» لكى يشهد ويتعلم درسا من تجربة نلسون مانديلا وحكمته بعد أن تولى زمام الأمور فى جنوب إفريقيا. إذ حاول البعض من مستشاريه (كما يبين الفيلم) أن يقنعوه بضرورة أن يقوم بتغيير اسم فريق الرجبى القومى لجنوب إفريقيا وكان «سبرينجبوكس» حتى يتم التخلص من الماضى وتاريخه وأسمائه، إلا أن مانديلا رفض الفكرة قائلا: «يجب أن نفاجئهم». وفى رأى فريدمان أن مرسى كان فى إمكانه أن يفاجئنا إلا أنه لم يفعل بعد ذلك مع الأسف. والمفاجأة فى حالة مرسى وتعامله مع كل الأطياف مصر كانت وما زالت ضرورية وحيوية. وبالطبع كان بالأمر الطريف أن يستشهد توماس فريدمان بفيلم ويوصى مرسى بمشاهدته ليرى تجربة مانديلا وذلك بعدما نشرت «تايم» حوارا مع الرئيس المصرى استشهد فيه وأشار إلى فيلمى «كوكب القرود».. و«ذهب مع الريح».

وبالطبع قد تأتى الرياح بما لا تشتهيه واشنطن إلا أن عليها أن تراقب وتترقب وتستعد وتضع فى اعتبارها كل الاحتمالات وكل السيناريوهات. وحسب نصيحة أخرى أو حكمة أخرى من دروس الحياة، كما كررها توماس فريدمان أخيرا، عندما قال بأننا نتعلم من التعامل مع المناخ والتقلبات الجوية والرياح، المفهوم إياه فى التعامل مع التحديات «أن ندير ما لا يمكن تفاديه وأن نتفادى ما لا يمكن أن نديره». ولم ينسَ فريدمان وهو يذكر هذا المفهوم أن يقول «وهذا مثلما ينطبق فى تعاملنا مع المناخ ينطبق أيضا فى تعاملنا مع تطور الأحداث فى الشرق الأوسط والعالم كله».

 

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى