طارق الشناوي يكتب: فرحة مصرية فى دبى!

أفراحنا صارت قليلة ولكن السينما المصرية كثيرا ما تمنحنا البهجة والسعادة وتمسح دموعنا التى تبكى وطننا الذى أرادوا له أن يحيا منقسما. فى مهرجان دبى هذه المرة كانت الفرحة مصرية بعدد من الجوائز المهمة من نصيبنا.

 

شاهدت محمد خان وهو يحتضن ابنته نادين التى حصلت على جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فيلم «هرج ومرج» الذى سبق وكتبت عنه مقالا فى تلك المساحة قبل بضعة أيام عنوانه «هرج ومرج وإبداع». خان الأب علاقته بالفيلم لم تتجاوز سوى أنه شاهده مثل أى متفرج ضمن فاعليات المهرجان. ولم تكن هذه هى فقط فرحتنا الوحيدة. عمرو واكد أفضل ممثل عن فيلم «الشتا اللى فات» إخراج إبراهيم البطوط، وعايدة الكاشف ابنة المخرج الراحل رضوان الكاشف، تحصل على جائزة أفضل ممثلة فى المسابقة الآسيوية الإفريقية عن الفيلم الهندى «سفينة ثيزيوس».

 

ما الذى يعنيه حصول فيلمين مصريين على الجوائز فى مسابقة أفضل فيلم عربى؟ تستطيع أن ترى فى الفيلمين وفى كل الأفلام التى صارت عنواننا الرسمى خلال السنوات الأخيرة فى المهرجانات أنها تنتمى إلى ما دأبنا على وصفها بالسينما المستقلة، رغم أن الكلمة لا تزال تحتاج إلى تدقيق ومراجعة، ولكن دعونا نتفق على أن ما أصبح يعرض للسينما المصرية من أفلام وما نحصده من جوائز صار فقط مقترنا بتلك النوعيات التى تمرد مبدعوها على السوق بمعناه التقليدى، فهم يقدمون نبضهم على الشاشة، كل الأفلام التى انتزعت الجوائز أو حتى فقط شاركت فى المهرجانات كان وراءها دائما مخرج لديه حرية أن يقول رأيه، ويعلن قناعاته على الشاشة وبالطبع لا تستطيع أن تحيل الأفلام إلى مجرد مخرج يتمرد على نظام سائد بقدر ما هى رؤية ترى فيها ملامح المخرج ومشاعره على الشريط السينمائى.

 

فى «الشتا اللى فات» يواصل المخرج حالة التوافق بين إحساسه والشاشة فلا تستطيع أن ترى مثلا مخرجا يكتب سيناريو له بداية ووسط ونهاية فى خط درامى متعارف عليه، ولكنك تشاهد المخرج من خلال تفاصيل الكادر. البطوط ينتقل فى غضون سنوات قليلة من «تايكى» إلى «عين شمس» إلى «الحاوى» وصولا إلى «الشتا اللى فات». الفيلم يرصد الثورة. الأحداث تنطلق يوم 25 يناير وتستعيد العلاقة بين أطراف ثلاثة: ناشط سياسى قال «لا» فى عز قبضة الدولة الحديدية (عمرو واكد) وصحفية تتعاطف معه (فرح يوسف) وضابط أمن دولة (صلاح الحفنى). الثلاثى هم حالة ممتدة قبل وبعد الثورة وحتى لحظة إجبار مبارك على الرحيل. لجأ المخرج إلى التوثيق الدرامى فهو لا يقدم حدثا دراميا بقدر ما يوثِّق الثورة دون أن تصنفه كفيلم وثائقى. الحوار المكثف الذى من الممكن أن يترك لك كمشاهد فى الكثير من الأحيان أن تضيف أنت الكلمات التى تريدها ومن خلاله ترصد أيضا الثورة بحلوها ومرها بانتصارها وإخفاقها.

 

بالطبع لا تستطيع أن تتابع الفيلم بمعزل عما يجرى فى الواقع الآن، لأن الفيلم لا يروى حكاية الثورة ولكن لحظة زمنية فارقة فى عمرها. الأحداث المتلاحقة على أرض الواقع لا تسمح لأحد أن يضع نقطة وبعدها يستعيد قراءة السطر الأول، ولكنه يقدم ثالوثا دراميا آخر متجاوزا الطريقة التقليدية «الزوج والزوجة والعشيق»، فإنه هذه المرة يقدم ملمحا مختلفا وهى الصحفية والناشط ورجل أمن الدولة، حصول عمرو واكد على الجائزة بقدر ما هى شهادة له بالتأكيد شهادة أيضا للمخرج.

 

وتبقى نادين خان التى عاشت فى بيت يتنفس مع الأكسجين الكادر السينمائى، خان واحد من أهم العلامات فى السينما العربية ولكن نادين ليست امتدادا بالمعنى المباشر لأفلام أبيها، ولكنها ابنة زمن آخر له إيقاعه المختلف. الأب قدم فى أفلامه ملامحه والابنة فى أول تجربة لها تحرص على أن تُقدم ملامحها.

 

نادين سبحت فى مياه مختلفة على المستويين الفكرى والفنى وامتلكت زاوية رؤية خاصة فى قراءة دستور دولة العشوائيات برؤية لا تخلو من هامش محسوب بدقة من الخيال لا يقصيه عن الواقع بقدر ما يسهم فى تعميق قراءة واقعيته.

 

إنهم يقفون الآن على خط المدينة، ولكنهم فى لحظة مستعدون للاقتحام والدخول إلى قلبها للسيطرة عليها. عشنا فى مهرجان دبى فرحة مصرية حقيقية فهؤلاء المبدعون الذين حصدوا الجوائز ومنحونا الفرحة كانوا يصنعون دستور إبداع جديدا يليق بمصر التى أرادوا أن يسرقوا فرحتها.

الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى