2012..عام انطلاقة «الجمهورية الثانية» في مصر الجديدة

يطوى عام 2012 أوراقه معلنا الرحيل ايذانا بقدوم عام جديد يحمل الأمل فى تحقيق استقرار الأوضاع فى مصر والتقدم الى الأمام، شهدت مصر فى هذا العام لحظات فارقة فى تاريخها وبالغة الدقة والحساسية، سيكون لها تأثير بالغ على مسيرتها نحو الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة التى تسعى اليها استجابة لآمال وطموحات الشعب المصري.
كانت اللحظة الأولى بداية عهد الجمهورية الثانية وهي مرحلة بكل المقاييس السياسية والمعايير الديمقراطية ليست لها سابقة فى التاريخ المصرى فهذه هى المرة الأولى التى ينتخب فيها الشعب المصري رئيسا مدنيا عبر صناديق الاقتراع بعد ثورة شعبية في 25 يناير 2011 أطاحت بالنظام السابق وأسقطت رموزه.
أما اللحظة الثانية التى شهدها العالم وحبس المصريون انفاسهم انتظارا للحكم التاريخى في قضية القرن بقصاص طالما انتظره المصريون من قاتل شهدائهم، حيث أسدلت المحكمة الستار فى 2 يونيو الماضى على قضية الرئيس السابق حسني مبارك وأركان نظامه بالمؤبد له ولوزير داخليته، وأستهلت المحكمة جلستها ببيان سردت فيه انطباعاتها عن القضية وشرحت ما تعرضت له مصر طوال 30 عاما.
وانتابت المواطنون مشاعر مختلفة وانفعالات متضاربة تجاه حكم المحكمة لأنه من وجهة نظر البعض لم يشف غليل أهالى الشهداء والثائرين فى ميدان التحرير والميادين العامة فى بقية المحافظات لتبرئة نجلى الرئيس السابق ومساعدى وزير داخليته الستة من جرائم قتل المتظاهرين واستغلال النفوذ حيث كانوا ينتظرون عقوبات رادعة.. ووصفت وسائل الاعلام العالمية الحكم بأنها المرة الأولى فى العالم العربى يتم فيها الحكم على رئيس دولة عربى مخلوع من قبل شعبه على الملأ.
ولم تدم أيام التفاؤل كثيرا فى عام 2012 فقد عاشت مصر لحظة فارقة فى تاريخها ففى الوقت الذى كانت تتطلع فيه للأستقرار بعد عامين من ثورة 25 يناير 2011 وانتخاب أول رئيس مدنى إذا بها تعيش أجواء أزمة سياسية معقدة خلقت حالة من الأنقسام فى المجتمع والشارع المصرى عقب صدور الاعلان الدستورى فى 21 نوفمبر والقرارات اللاحقة له والذى رفضته بعض القوى السياسية وأيده البعض الأخر خاصة تيار الاسلام السياسى.
وشهد عام 2012 قدرة الشعب المصرى على بناء الديمقراطية باجراء الانتخابات الرئاسية، فعلى مدار جولتين انتخابيتين خرج المارد المصرى لأول مرة عن صمته الانتخابى، وجاء صوته فى صناديق الانتخابات وزينت الشوارع بالطوابير الانتخابية، وأصبح من حق المصريين اختيار رئيسهم من بين أكثر من مرشح فى انتخابات حقيقية، ولأول مرة لايعرف الشعب مسبقا الرئيس القادم من بين 13 مرشحا بعد أن استبعدت اللجنة الانتخابية عشرة مرشحين من أصل 23 مرشحا، وعقدت الجولة الأولى من ماراثون الانتخابات الرئاسية يومى 23 و24 مايو، وتسابق المرشحون على اختلاف انتماءاتهم واتجاهاتهم وتمت الجولة الأولى بنجاح وشفافية شهد بها العالم.
واسفرت النتيجة عن الاعادة بين د.محمد مرسى مرشح حزب الحرية والعدالة، والفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء فى عهد مبارك باعتبارهما حصلا على أعلى الأصوات ولم يحصل أى من المرشحين على نسبة 50%+1 من اجمالى الأصوات الصحيحة، وأجريت الاعادة فى الجولة الثانية لللانتخابات الرئاسية يومى 16 و17 يونيو وبعد معركة صعبة وفترة ترقب استمرت اسبوعا حبس الشعب انفاسه أعلن فى 24 يونيو عن فوز د.محمد مرسى بحصوله على 2،13 مليون صوت أى بنسبة 73،51% بينما حصل منافسه الفريق أحمد شفيق على 3،12 مليون صوت أى بنسبة 27،48 % بفارق 882 ألف صوت.. وشارك فى الإنتخابات 4و26 مليون ناخب.
وبصفة عامة، فإن جميع المرشحين خاضوا الانتخابات الرئاسية بهدف تحقيق طموح هذا الشعب الذى عانى طويلا من الفساد والأستبداد، كما أوفى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوعده باجراء الأنتخابات الرئاسية فى موعدها وسيذكر له التاريخ أنه مكن المصريين لأول مرة من انتخاب رئيس مدنى بلا تزوير.

•ميدان التحرير.. ميدان الثورة•
وفى 24 يونيو، عقب فوز د.محمد مرسى وجه أول خطاب الى الأمة حيث أكد أنه رئيس لكل المصريين فى الداخل والخارج وأنه يقف على مسافة واحدة من الجميع والمعيار عنده التفانى فى العمل وأكد أن دماء الشهداء الزكية لن تضيع هدرا، وتعهد بالحفاظ على كافة المعاهدات والمواثيق الدولية التى أبرمتها مصر.
وكانت البداية موفقة للرئيس د. مرسى ففى 29 يونيو، خاطب كافة أطياف الشعب المصرى فى ميدان التحرير وطمأنهم.. واختار مرسى منهجا تصالحيا توافقيا غير تصادمى فى تعامله مع اشكالية تأدية القسم حيث أدى الرئيس اليمين الدستورية أمام أربع جهات أساسية الأولى فى ميدان التحرير منبع وشرارة الثورة التى أنطلقت فى كل ميادين مصر، والثانية فى 30 يونيو أمام المحكمة الدستورية من منطلق أحترامه للقانون والدستور وذلك حسب الاعلان الدستورى المكمل الذى أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى 18 يونيو الذى تضمن تعديلا يتيح للرئيس الجديد أداء اليمين أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية فى حال عدم وجود مجلس الشعب.. وكانت المحكمة الدستورية قررت فى 14 يونيو حل مجلس الشعب لعدم دستورية قانون اجراء انتخاباته.
وكانت الجهة الثالثة جامعة القاهرة بكل ما تمثله من اطلالة على العصر العلمى الحديث وبكل ما ضمه الحفل من رموز وطنية وطمأن الجميع على مصر المدنية الديمقراطية وأخيرا كانت الجهة الرابعة أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة حيث تم تسليم السلطة للرئيس المنتخب فى حفل أكد فيه المشير طنطاوى – وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك – ان القوات المسلحة وعدت وأوفت وسلمت الأمانة لصاحبها الذى أختاره الشعب المصرى بارادته الحرة كما قدم الرئيس اسمى معانى الشكر والتقدير للقوات المسلحة.
لقد دخل يوم الثلاثين من يونيو التاريخ عيدا لميلاد دولة مصرية مدنية وطنية دستورية حديثة قوية بشعبها ومعتقداتها ومؤسساتها، وأعلن الرئيس تنازله عن راتبه كرئيس للجمهورية، ومنع تعليق صوره فى مؤسسات الدولة ولم يكتف بذلك بل أنه قرر منع تعليقها فى مقراته الرسمية والرئاسية وأستبدالها بآيات قرأنية باعتبارها دستور الحياة مهما تبدل الزعماء.
ومرة أخرى يؤكد الرئيس د.مرسى احترامه للقضاء فبعد ثمانية أيام من توليه الرئاسة وفى خطوة مفاجئة اثارت الجدل بين المصريين وتباينت آراء الفقهاء الدستوريين بشأنها، أصدر الرئيس مرسى فى 8 يوليو قرارا جمهوريا باعادة مجلس الشعب الذى سبق للمحكمة الدستورية العليا الحكم بحله فى 14 يونيو تصحيحا للعوار الدستورى الذى شاب انتخاباته، ثم جاء قرار المحكمة الدستورية فى 9 يوليو بوقف قرار رئيس الجمهورية بعودة مجلس الشعب للانعقاد وألتزم د. مرسى بحكم المحكمة الدستورية بوقف تنفيذ القرار الجمهورى.
وفى لحظة فارقة وتاريخية ومفاجئة،ا نتقل الرئيس مرسى بمصر من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية وذلك بالقرارات التى أصدرها فى 12 أغسطس والتى أعتبرها الكثيرون ثورية، حيث قرر احالة المشير حسين طنطاوى وزير الدفاع والانتاج الحربى آنذاك للتقاعد ومنحه قلادة النيل وتعيينه مستشارا لرئيس الجمهورية، كما احال الفريق سامى عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة للتقاعد ومنحه قلادة النيل وعينه مستشارا لرئيس الجمهورية، وايضا احالة الفريق مهاب مميش قائد القوات البحرية، والفريق رضا حافظ قائد القوات الجوية الى التقاعد.. كما قرر ترقية اللواء عبد الفتاح السيسى الى رتبة الفريق أول وتعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع، وبذلك نقل قيادة الجيش الى جيل جديد يواكب ثورة قام بها الشباب.. كما تضمنت القرارات الغاء الاعلان الدستورى المكمل الذى كان ينتقص من سلطة رئيس الجمهورية وأصدر اعلانا بدلا منه.
وبهذه القرارات أصبح فى مصر سلطة واحدة هى سلطة رئيس الجمهورية المنتخب وهو ماأجمع عليه المصريون، وأكد الرئيس مرسى ان هذه القرارات التى أتخذها لم يقصد بها أن يوجه أى اساءة لأحد وأنما قصد بها مصلحة الأمة والشعب، وأن الهدف منها هو المضى بكل الحب والتقدير لآفاق جديدة ودماء جديدة طال انتظارها.
وفي تقدير المراقبين ان هذا المشهد شهادة تقدير لجميع الأطراف حيث وفى المجلس العسكرى بوعده وترك السلطة لرئيس مدني منتخب رغم انه كان يستطيع البقاء، وهذا يؤكد روح العسكرية المصرية العريقة وفى نفس الوقت مارس الرئيس مرسى حقه كرئيس للدولة ودفع بجيل جديد من القيادات العسكرية المشهود لها بالكفاءة.. أنها أول تجربة ديمقراطية تجرى فى دولة عربية يتم تسليم السلطة بكل التجرد والترفع والحرص على مصالح الشعب.

•سيدة عجوز تدلي بصوتها في الانتخابات•
ومع تولى د.مرسى مسئولية الحكم واجه تحديات صعبة وشائكة بدءا من مشكلة الانفلات الأمنى الى سوء الأحوال الأقتصادية حيث تراجع الاحتياطى من النقد الأجنبى من 36 مليار دولار الى 15 مليار دولار، وأصابت البطالة مايتراوح بين 12 مليونا و20 مليون مصرى، وتوقف أنتاج مابين 1400 وثلاثة آلاف مصنع وارتفعت الديون الى تريليون و380 مليار جنيه، وتدنى مستوى التعليم، وسوء الرعاية الصحية وانخفاض الاستثمارات خصوصا غير المصرية ى، أزمة فى كل شىء بدءا من رغيف الخبز وحتى البنزين، اضرابات واعتصامات فى كل مكان.. وربما يختلف البعض حول نسب الانجاز التى أعلن عن تحقيقها الرئيس مرسى ولكن مايميز المائة يوم الأولى من فترة حكمه عدة قرارات منها، صرف علاوة أجتماعية بنسبة 15% للموظفين وأصحاب المعاشات، زيادة راتب الضمان الأجتماعى ليصبح 300 جنيه بدلا من 200 جنيه ليستفيد منها 5.1 مليون مواطن، انشاء ديوان المظالم لتلقى شكاوى المواطنين، وتعيين أكثر من مليون من المؤقتين وقرارات أخرى أستهدفت تحسين مصادر الطاقة لمنع انقطاع التيار الكهربائى ومواجهة مشكلات النظافة ورغيف الخبز، ودائرة الانفلات الأمنى بدأت تضيق، وأصدر قرارا بالعفو الشامل عن كل من حكم عليهم فى بعض الجرائم التى أرتكبت أثناء ثورة 25 يناير ويشمل المحكوم عليهم مدنيا أو عسكريا والمتهمين رهن التحقيق.
إقليميا، لم تدخر القيادة المصرية جهدا لوقف نزيف الدم فى سوريا وذلك من خلال مبادرتها بتشكيل لجنة اتصال رباعية تضم كلا من مصر وتركيا والسعودية وايران وهى الأطراف الفاعلة أقليميا.
وانطلاقا من مسئوليات مصر التاريخية تجاه القضية الفلسطينية حقق الرئيس مرسى انجازا سياسيا برعايته لأتفاق الهدنة بين اسرائيل وحماس لوقف القتال الذى استمر أسبوعا من 14 الى 22 نوفمبر الماضى، وتمثل هذه التهدئة عودة قوية لمصر على الساحة الدولية.
ويؤكد نجاح مصر فى التوصل لهذا الأتفاق انه لاغنى عن الدور المصرى فى هذه المنطقة الملتهبة، وأن مصر ستبقى دائما البوابة الرئيسية للمساعى الهادفة لاقرار السلام والأمن ومساعدة الفلسطينيين فى الحصول على حقهم المشروع باقامة دولتهم.
وكان الموقف المصرى فى التعامل مع الحدث غير مسبوق برد فعل ايجابى لم يعتده لا الفلسطينيين ولا الجانب الاسرائيلى،ولا حتى المجتمع الدولى، فقد أتخذت الرئاسة المصرية فى اليوم الأول للأعتداء 14 نوفمبر عدة قرارات دفعة واحدة من استدعاء السفير الأسرائيلى وتبليغه بخطاب حاد اللهجة بضرورة وقف العدوان الى سحب السفير المصرى من تل ابيب الى دعوة الجامعة العربية لبحث تداعيات العدوان وسبل التعامل معه، وخطابات مصرية للمنظمة الدولية تطالبها بسرعة التحرك تجاه مايجرى فى غزة، وقد خرجت هذه القرارات لتمثل ردعا للجانب الاسرائيلى جعلته يوقف آلة الدمار.
ولم تكتف مصر بذلك بل توجه رئيس الوزراء المصرى د.هشام قنديل وعدد من الوزراء الى غزة تعبيرا عن التضامن مع الشعب الفلسطينى، ووجه الرئيس مرسى خطابا شديد اللهجة فى رسالة تنبيه وتحذير لإسرائيل من مغبة أستمرارها فى أعمالها العدوانية واصفا ماجرى بأنه أمر خطير.. وهذا الخطاب اتسم بالثقة والقوة لم تسمع بها اسرائيل من قبل.
وفى نفس الوقت أجرى الرئيس اتصالات مع كل من الرئيس الأمريكى أوباما، والملك عبد الله الثانى عاهل الأردن، وامير قطر حمد بن خليفة، وبان كى مون الأمين العام للأمم المتحدة، وكاترين أشتون الممثل الأعلى للشئون الخارجية والأمنية للآتحاد الأوروبى.. وكان أخر الأجراءات فتح معبر رفح على مدار اليوم للتخفيف على الفلسطينيين.
وكان لتحرك مصر ودعمها للمسعى الفلسطينى للحصول على عضوية المراقب فى الأمم المتحدة دور كبير فى ان يتحقق هذا الهدف فى 30 نوفمبر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأعتراف بفلسطين كدولة مراقب غير عضو فى المنظمة الدولية.

•الرئيس محمد مرسي في اجتماع مع الفريق أول عبدالفتاح السيسي•
وفرضت هموم الداخل نفسها على الأجندة الخارجية للرئيس د.محمد مرسى وحرصه على وضع مصر على خريطة الأحداث الأقليمية والدولية فكانت أول زيارة قام بها خارج مصر للمملكة العربية السعودية فى 11 يوليو والتى أكدت مدى ارتباط البلدين حكومة وشعبا وحرص الجانبين على أن تكون أفاق التعاون مثمرة.
وألتقى الرئيس مرسى بالجالية المصرية لدعوتهم جميعا للأستثمار فى مصر، ثم أتجه الى أثيوبيا فى 15 يوليو وشارك فى قمة الاتحاد الأفريقى التى أمتنعت الرئاسة المصرية عن المشاركة فيها لسنوات، وعلى غير العادة تحدث الرئيس فى الجلسة الأفتتاحية للقمة وكانت كلمة مصر قوية ومؤثرة ولقيت تقديرا كبيرا.. وعلى هامش القمة ألتقى بقادة أفريقيا وبحث مشكلة النيل شريان الحياة، وبارك عمل الدبلوماسية الشعبية التى مهدت الطريق وتبين له عدم وجود مشكلات مع شعوب افريقيا.
وأختار رئيس الجمهورية أن يمضى ثلاثة أيام فى الصين بدأت فى 27 أغسطس وكان الهدف منها الاستفادة من التجربة الأقتصادية للصين وأعادة التوازن لعلاقات مصر الخارجية، ووقع مع قادتها ثمانى اتفاقات اقتصادية.
وفى 30 أغسطس، شارك الرئيس مرسى فى قمة دول حركة عدم الانحياز التى استضافتها ايران وهى أول زيارة لرئيس مصرى لطهران منذ 32 عاما، وقد قضى الرئيس سبع ساعات فى العاصمة الإيرانية طهران حيث سلم رئاسة القمة لإيران، وهى زيارة- بالحساب الزمنى- قصيرة لكنها فى الحقيقة زيارة طويلة تجاوزت الاطار الزمنى والمكانى وتشير الى أن مصر قرارها بات مستقلا ويعبر فقط عن مصالح مصر.. و قدمت الزيارة فرصة لكسر الجمود فى العلاقات المصرية الأيرانية.. وأعادت زيارة الرئيس مرسى لكل من الصين وأيران التوازن المفقود فى علاقات مصر الدولية والأقليمية سياسيا.
ثم كانت أول زيارة أوروبية للرئيس لبلجيكا وايطاليا فى 13 و14 سبتمبر، حيث زار مقر الاتحاد الأوروبى والتقى بالعديد من المسئولين الأوروبيين لحشد الدعم السياسى والأقتصادى لمصر واعادة دور مصر المحورى فى منطقة الشرق الأوسط.
وعكست زيارة الرئيس لروما ولقاؤه مع القادة الأيطاليين مدى حرص كل من مصر وأيطاليا على التواصل لدعم سبل التعاون فى كافة المجالات الأقتصادية والتجارية والسياسية والسياحية، كما حققت الزيارة الهدف الذى كانت تسعى اليه فى اعادة روح الثقة بين رجال الأعمال الايطاليين لضخ مزيد من الإستثمارات فى مصر.
واستعادت مصر دورها العالمى حيث شارك الرئيس محمد مرسى فى فعاليات الدورة الـ67 للجمعية العامة للأمم المتحدة فى 26 سبتمبر الماضى، كأول رئيس مصرى على منصة الأمم المتحدة منذ 23 عاما وأكد خلالها التزام مصر بالمعاهدات الدولية، كماانها لاتقبل المساس بالرسول الكريم، وشدد على ضرورة اخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.
وفى اطار فتح قنوات اتصال مع مختلف دول العالم زار الرئيس مرسى تركيا فى 30 سبتمبر لمدة 12 ساعة للاستفادة من التجربة الأقتصادية التركية فى دعم الأقتصاد المصرى بجذب الاستثمارات وجعل مصر بوابة التجارة التركية للعالم، كما ألقى كلمة فى المؤتمر الطارىء لحزب العدالة والتنمية التركى الحاكم.

•اشتباكات شارع محمد محمود•
وفى 9 أكتوبر، شارك الرئيس مرسى أوغندا فى احتفالاتها بعيد الأستقلال الخمسين وأجرى مباحثات مع نظيره الأوغندى يورى موسيفينى، وتسعى مصر من خلال هذا النشاط السياسى والدبلوماسى المكثف الى فتح آفاق جديدة فى علاقاتها وجذب المزيد من الاستثمارات لدعم الإقتصاد.
وواجهت مصر في عام 2012 عدة أخطار منها عودة الارهاب الأسود على قطعة غالية من أرض مصر «سيناء».. هذا الجزء الاستراتيجى الحيوى من البلاد تعرض ومازال لإختراقات مسلحة مختلفة ينتمى بعضها لتيارات دينية متطرفة وأخرى تتبع ميليشيات مدفوعة من جهات خارجية اضافة الى مجموعات مسلحة تتبع عصابات قطاع الطرق تقوم بعمليات سطو على الممتلكات العامة والخاصة.
وتجسد هذا الارهاب بكارثة رفح الارهابية فى 8 أغسطس التى ستظل عالقة فى أذهان المصريين حيث راح ضحيتها 16 شهيدا من جنود وضباط القوات المسلحة أثناء تناولهم طعام افطار رمضان فى نقطة تمركزهم على الحدود الشرقية المصرية وخطورة ماحدث ليس فى عدد الشهداء فقط بل فى التطاول على الأمن القومى المصرى وعلى بعض أجناد الجيش المصرى.
وعلى اثر ذلك، قامت القوات المسلحة بالعملية «نسر 1» وأكد الرئيس مرسى أنه يقود الحملة بنفسه وضرورة اجتثاث تنظيمات الارهاب المتطرفة وتنظيف سيناء من هذه البؤر الاجرامية ووضع مصالح مصر فوق أى أعتبار، ودخلت المواجهة مرحلة جديدة أطلق عليها «نسر2» مع توالى الهجمات الارهابية على بعض معسكرات الأمن المركزى وغيرها من الأماكن.
وفى ظل تلك الأوضاع قررت الحكومة تخصيص مليار و650 مليون جنيه للمشروعات التنموية والبنية الأساسية فى سيناء خلال العام المالى الحالى..كما يدرس الرئيس مرسى مطالب أهل سيناء وتتركز فى قضيتين أساسيتين هما قضية تمليك الأراضى بما يمكن واضعى اليد من توفيق أوضاعهم فى ظل قانون جديد يمنح أهل سيناء حق تملك أراضيهم، وقضية اسقاط الأحكام الجنائية الغيابية التى صدرت بحق مجموعات من الأهالى لايتجاوز عددهم بضع مئات ينتمون الى معظم القبائل والتى يعلق عليها أهالى سيناء املا كبيرا.
وبالأضافة للأخطار التى تهدد سيناء، خيمت على المشهد السياسى فى الشارع المصرى عام 2012، حالة من الإنقسام والأستقطاب والإحتقان، فأصبح هناك فريقان رئيسيان مختلفان حول كل شىء أحدهما يمثل القوى والتيارات والأحزاب ذات التوجه الديني اى الاسلام السياسى والأخر يمثل القوى والتيارات والأحزاب ذات التوجه المدنى الليبرالى وكل منهما يقف رافضا للأخر ومترصدا له ومؤكدا أن موقفه هو الصحيح وعين الصواب وموقف خصمه هو الخطأ.
وتجسد هذا الانقسام بدءا من انقسامات حول الدستور، والجمعية التأسيسية التى أعيد تشكيلها مرتين وشهدت انسحابات عديدة نتيجة خلافات الرأى واختلاف فى الرؤى بين الفرقاء حول بعض بنود مسودة الدستور.. ثم أمتدت الأزمة بأصدار الرئيس محمد مرسى الإعلان الدستورى فى 21 نوفمبر الماضى، وقد تضمن تعيين نائب عام جديد، وقرارات محصنة لرئيس الجمهورية نهائية لايجوز الطعن عليها، ومد فترة عمل اعداد الدستور شهرين، ومعاشات استثنائية لمصابى الثورة..كما أكد الإعلان عدم جواز حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية.
وأكد الرئيس مرسى انه كان يهدف من وراء الأعلان الدستورى الحفاظ على أمن واستقرار البلاد وانه وجد البلاد والثورة فى خطر لذلك أصدر هذا الأعلان وهو ليس الأول بل سبقه ستة اعلانات دستورية أصدر المجلس العسكرى أربع منها.مشيرا الى أنه قصد من اصدار الاعلان الدستورى سرعة أنهاء المرحلة الانتقالية وتحصين مؤسسات الدولة.

•العملية نسر في سيناء•
غير أن النتيجة جاءت بعكس ماقصده الرئيس حيث تصاعد الخلاف ما بين مؤيد ومعارض، فالقوى السياسية والأحزاب الليبرالية ترى أن الرئيس استحوذ على كل السلطات التنفيذية والتشريعية، أما قوى تيار الاسلام السياسى فرأت أن الأمر مؤقت والرئيس مطالب بتحصين مؤسسات الدولة من المؤامرات ومحاولات فلول النظام السابق اسقاطها.
وازدادت الأزمة أتساعا بانضمام جميع الهيئات القضائية الأخرى بما فى ذلك المحكمة الدستورية العليا واستمرت الأزمة بين الرئيس وقضاء مصر بعد أن وافقت الجمعيات العمومية لمحكمة النقض ومحاكم الأستئناف على تعليق العمل فى محاكم مصر الى أن يتم الغاء الاعلان الدستورى.
ووسط هذه الحالة من الأحتقان وانقسام الشارع المصرى، أعلن الرئيس مرسى فى أول ديسمبر عن طرح مسودة الدستور للاستفتاء فى 15 ديسمبر والذى أنتهت الجمعية التأسيسية من اعداده فى 30 نوفمبر الماضى، وشدد على أن مسودة الدستور عبرت عن كرامة الشعب المصرى خير تعبير وقلصت من صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث لم يعد يستطيع حل البرلمان الا بالاستفتاء وان لم يوافق الشعب على الحل يستقيل الرئيس، وأكد الرئيس أعتزازه وتقديره للدور العظيم للقضاء المصرى على مدى تاريخه.
وازدادت حدة الإحتقان حيث رفضت القوى المدنية السياسية والأحزاب مسودة الدستور وما شابها من عملية استعجال وموعد اجراء الأستفتاء وهو الأمر الذى رفضه التيار الأسلامى متضامنا مع مشروع الدستور وقرارات الرئيس.
وتبلور الانقسام الحاد بين مؤيد ومعارض فى الشعارات والهتافات التى ترددت فى المليونيات والحشود التى كانت أستعراضا للقوة والقدرة على الحشد والتى استمرت سلمية حتى كانت أحداث الاتحادية فى 5 ديسمبر التى تطورت الى شكل من أشكال العنف، ففى هذا اليوم سفك المصريون دماء بعضهم البعض وما حدث كان نتيجة طبيعية لحالة الأنقسام والاستقطاب التى فرقت ابناء الوطن الواحد، وأصبحت البلاد فى مفترق طرق وسط انقسام شعبى غير مسبوق بين مؤيد ومعارض.
وفى محاولة للخروج من هذه الأزمة السياسية، دعا الرئيس مرسى فى كلمة وجهها للأمة فى 6 ديسمبر الى حوار وطنى وافق عليه البعض ورفضه البعض الأخر، وشارك فيه 54 شخصية من ممثلى القوى السياسية والحزبية والرموز الوطنية المختلفة وأسفر عن اعلان دستوري جديد أصدره الرئيس مرسى فى 8 ديسمبر ويقضى بالغاء الاعلان الدستورى الذى صدر فى 21 نوفمبر الماضى، و اجراء الاستفتاء فى موعده 15 ديسمبر مع اعداد القوى الوطنية ملاحظاتهم حول الدستور لعرضها على البرلمان الجديد والذى سيتم الدعوة لإنتخابه حال الموافقة على الدستور.
وما بين تغيير الأعلان الدستورى والاصرار على الاستفتاء على مشروع الدستور، ومفاجأة رفع أسعار معظم السلع التى قررتها الحكومة ورفضها الرئيس ووجه باجراء حوار مجتمعى شامل حول هذه القرارات أصبح المشهد السياسى فى الشارع المصرى ملتهبا.

•إحدى اجتماعات الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور ــ تصوير: كريم عبدالكريم•
وبالرغم من هذه الأجواء ووسط حالة من الانقسام المجتمعى، أدى المصريون واجبهم وخرجوا فى 15 ديسمبر للادلاء بأصواتهم في المرحلة الأولى للإستفتاء على الدستور التى شملت 10 محافظات بكثافة أذهلت العالم مما يؤكد أن هذا الشعب المتحضر يزداد اصرارا على حقه فى الديمقراطية، وأظهرت النتائج غير الرسمية تقدم المؤيدين للدستور بنسبة تقارب.56.4% على المعارضين الذين بلغت نسبتهم نحو 43.6%.. وقد ضمت محافظات المرحلة الأولى «القاهرة، والأسكندرية، الغربية، الدقهلية، الشرقية، جنوب وشمال سيناء، اسيوط، سوهاج، أسوان».
ومن المقرر أن تجرى المرحلة الثانية من الاستفتاء فى باقى المحافظات يوم 22 ديسمبر الحالى، ومهما كانت نتيجة المرحلة الأولى من اقبال جماهيرى كبير فى ظل الظروف الصعبة التى تمر بها البلاد فقد عكست أمورا كثيرة منها ارتفاع المستوى الثقافى والوعى والحكمة لدى عموم الشعب، كما كان خروج المرأة المصرية بهذه الكثافة مؤشرا على تغيير كبير بعد ماأصابها من تهميش فى الفترة الأخيرة وسواء جاءت نتيجة التصويت ب “نعم” أو “لا” بعد انتهاء المرحلة الثانية من الإستفتاء فإن عملية التصويت نفسها تعد مكسبا عظيما وذلك باحساس المواطنين بأنهم هم من يصنعون مستقبلهم بأنفسهم ولاأحد يفرض عليهم كيف يختارون أو ماذا يختارون.
إن مصر تعيش لحظات حرجة وتحتاج الى تكاتف جميع القوى السياسية للخروج منها والعودة الى الحوار الجدى للوصول الى خارطة طريق تضمن الانطلاق الى مرحلة جديدة مع قدوم العام الجديد، بدلا من الدائرة المفرغة التى تدور فيها البلاد حاليا.






