فى ذكرى جمعة الغضب.. السويس تغضب أكثر

– محمود عبدالله
بتكون فى أحسن حالاتك وانت مش محكوم، بتبقى رايق ولا ظالم ولا مظلوم، بعدين ده ايه الغبى ده اللى يهددك بالشوم، يا مخلى ألف احتلال ينزل على ركبه. هذه أبيات كتبها الشاعر تميم البرغوثى، وهى تعبر عن لسان حال شعب السويس، الذى يحكم نفسه بنفسه فى الأيام الحالية، التى تزداد فيها «المدينة الباسلة» بسالة فى ظل حكم الإخوان، الذى لا يمكن الرد عليه إلا بجملة مفيدة لنظام لا يحقق أى فائدة هى «الثورة مستمرة».
فى السطور القادمة نحكى كيف أحيت الأحياء الخمسة التى تتكون منها السويس، يوم ذكرى جمعة الغضب، وكيف كان الغضب كبيرا ضد نظام خدع السويس أكثر من مرة، خلال أشهر حكمه، وفى النهاية قرر حبس أنفاس السوايسة كل يوم لمدة شهر من التاسعة مساء وحتى صباح اليوم التالى.
1- الأربعين
الميدان الذى لا ينام
لا أحد ينام فى الأربعين ذلك الحى الشعبى الأشهر والأكبر فى السويس، اسمه هكذا، نسبة إلى سيدى عبد الله الأربعين الذى حضر إلى السويس فى أثناء حفر قناة السويس مع أربعين رجلا صالحا كان هو آخرهم، لذلك أطلق عليه عبد الله الأربعين.
فى ميدان الأربعين تجمع الثوار أول من أمس فى ذكرى جمعة الغضب مبكرا من الساعة الثانية بعد الظهر استعدادا لأكبر مسيرة شهدتها السويس منذ 25 يناير 2011، لرفض جميع قرارات الرئيس مرسى من فرض حالة الطوارئ لمدة 30 يوما وتطبيق حظر التجوال خلال هذه الفترة ابتداء من التاسعة مساء، وهو الوقت الذى بدأت مسيرة السويس الضخمة فى التحرك من ميدان الأربعين لتجوب شوارع السويس، فى تحرك هو الثانى للسوايسة ضد طوارئ مرسى، بعد أن نزل الثوار فور انتهاء خطاب الرئيس الأحد الماضى، وتظاهروا وأعلنوا عن برنامج الأيام القادمة الذى يبدأ يوميا فى التاسعة مساء بانطلاق المسيرات من الأربعين لتنتشر فى كل أرجاء السويس.
ميدان الأربعين لا يرفض الحظر فقط بالمظاهرات والمسيرات والتنديد ضد نظام مرسى، وإنما الميدان يمارس حياته بشكل طبيعى غير ملتفت لقرار اسمه حظر التجوال، فالأربعين يضم أكبر الأسواق والمحلات التجارية فى السويس، وهو ميدان لا ينام يصِل ليله بنهاره، بالنظام الذى لا يوجد إلا فى مصر الخدمة الليلية 24 ساعة، وهو أكثر أحياء السويس أمانا وأقلها لجانا شعبية لأنه عمار طوال اليوم.
قسم الأربعين المسؤول عن حماية أبناء الحى لم يتم حرقه، ولكنه خال من الضباط والإداريين والموظفين والعساكر، خوفا من حريق ينشب به فى الأيام الحالية، خصوصا أنه مقر مؤقت لقسم كان قد تم حرقه بالكامل فى ثانى أيام الثورة الأولى قبل أن يسقط نظام مبارك، ولا يعلم المقر المؤقت هل سيلقى مصير المقر القديم أم أنه فى عمره بقية كجدران فقط، لأن القسم كأداء شرطى «الله يرحمه».
فى حى الأربعين أيضا مستشفى السويس العام أحد أهم مآسى السويس، فالذى يصاب فى المظاهرات يذهب إلى مستشفى السويس العام يموت هناك أفضل من أن يموت فى الشارع، فالمستشفى الذى كان يستقبل إصابات بالجملة وحالات اختناق من الغاز المسيل للدموع خلال الأيام الماضية، لا يوجد به إلا طبيب واحد فقط فى قسم الاستقبال، معه إمكانيات محدودة لا تسعف أى مصاب، فالذى يبقى على قيد الحياة لا يزال فى عمره بقية، والذى يرحل يذهب إلى ثلاجة حفظ الموتى أو ما يطلق عليها «مشرحة السويس»، وهى أيضا فى حى الأربعين والمشهد كالعادة مأساوى ودراماتيكى. واستقبلت المشرحة يوم الجمعة الماضية 8 شهداء جدد فى أحداث السويس الأخيرة، والشهيد التاسع وهو المجند محمد شعبان شبل الذى فارق الحياة فى مستشفى العجوزة ليبقى الأربعين شاهدا على المأساة والثورة التى ستستمر مهما كان عدد الشهداء فى المحافظة الباسلة.
2- الغريب
حى الأغنياء الذى هزم الإخوان
اسمه فقط حى الغريب نسبة إلى سيدى عبد الله الغريب، أحد حكام الدولة الفاطمية، لكنه ليس غريبا عن أهل السويس أبدا، بل كان هو مصدر إحياء الثورة ضد نظام الإخوان فى الأيام الماضية، وكان مركز مسيرة إحياء ذكرى جمعة الغضب ورفض حظر التجوال الذى جاء ضمن قرارات رئيس الجمهورية والذى هتف له شعب السويس فى مسيرته أول من أمس «الشعب يريد إسقاط النظام»، وهى المسيرة التى ضمت الآلاف من السوايسة وأذهلت الإخوان المسلمين فى السويس والتيار الإسلامى بشكل عام، وكان يسير فيها عواجيز وشباب وأطفال ونساء أيضا، فالمسيرة الضخمة التى انطلقت من الأربعين قضت معظم وقتها فى حى الغريب الذى اسمه فى الأوراق الرسمية حى السويس، والذى يضم مديرية الأمن ومبنى المحافظة وعمارة كامبورس التاريخية التى كانت شاهدة على عنف قوات مكافحة الشغب التى حاولت كسر ماسورة الغاز الطبيعى العمومية، التى كانت كفيلة بإحراق حى الغريب بأكمله.
مسيرة أول من أمس شهدث لافتة مكتوبا عليها «التاسعة مساء.. حان الآن موعد المسيرات فى محافظة السويس وعلى المقيمين خارجها مراعاة فروق التوقيت». صحيح أن المظاهرة تعبر عن الغضب من النظام الحاكم وسياساته لكنها أيضا كانت تحمل فرحة شعب السويس بإحساسه بالحرية فى التعبير عن الرأى، ورفضه أن يملى أحد عليه استبدادا جديدا.
الشماريخ والصواريخ كانت حاضرة فى المسيرة بكثرة تعبيرا عن الاحتفال برفض السوايسة فرض حظر التجوال وإحساسهم بأن نظام مرسى أصبح هشيما تذروه الرياح.
المسيرة بدأت فى الساعة التاسعة واستمرت حتى الخامسة من صباح اليوم التالى، وهى تقريبا فترة حظر التجوال اليومى كما هو فى قرار مرسى الذى لن ينفذ فى السويس.
المسيرة الضخمة انطلقت من الأربعين إلى حى الغريب، ثم عادت إلى الأربعين، ثم انطلقت إلى المثلث، ثم عادت إلى الأربعين، فى 8 ساعات يجوب خلالها الثوار السويس محافظتهم الباسلة والجماهير الواقفة فى بلكونات العمارات ترمى عليهم الحلوى وترفرف بأعلام مصر وعلم السويس الذى يبقى مميزا والجميع يعرفه بشكله المعروف بالترس والشعلة، ولا يوجد علم لأى محافظة فى جمهورية مصر العربية أشهر منه.
3- فيصل
ولا جيش ولا داخلية.. لجان شعبية
حى فيصل فى السويس لم يكن بعيدا عن المشهد، وهو الحى الذى انطلقت منه النداءات بضرورة تشكيل لجان شعبية لحماية الأهالى والأرواح، لكن أهله قسموا أنفسهم إلى جزءين الأول انضم إلى الأربعين استعدادا للمشاركة فى المسيرة أول من أمس لإحياء ذكرى جمعة الغضب ورفض الطوارئ وحظر التجوال، والنصف الثانى نظم لجانا شعبية لحماية الممتلكات، خصوصا بعد حرق قسم فيصل مثلما كان حال أقسام الجناين والسويس والأربعين، وتلبية للهتاف السويسى الشهير «ولا جيش ولا داخلية.. هنقضيها لجان شعبية». معظم سكان حى فيصل من الموظفين الحكوميين، ويعتبر موعد المظاهرات فى التاسعة مساء يوميا مثاليا جدا لهم، خصوصا أنه لا يوجد عمل يحول دون مشاركتهم فى الثورة الثانية ضد حكم الإخوان، فى هذا التوقيت الذى تحول من حظر تجوال إلى انتشار فى التجوال.
فيصل التى بناها الملك فيصل مقسمة إلى شوارع بأسماء المناطق فى السعودية مثل جدة والمدينة المنورة والرياض ومنى ومكة والطائف، لكن المدينة المتأثرة بأجواء بلاد الحجاز لم تكن مؤيدة لحكم الإخوان مثل المصريين فى السعودية، ولكن رفضت مثل باقى شعب السويس حكم محمد مرسى. وبسؤال المشاركين فى المظاهرات لماذا تؤيد السويس دائما الإخوان فى الانتخابات ونسبة نعم للدستور كانت 70%؟ أجابت الجماهير الغاضبة بأن السوايسة وافقوا على الدستور بعد أن روج الإخوان شعارهم الشهير «بالدستور العجلة تدور»، خصوصا أن معظم شباب السويس عاطلون لا يعملون رغم كثرة المصانع والشركات والموانى فى السويس، واشتهارها بأنها مدينة صناعية لكن تبقى بلد الغريب هى بلد الغريب.
التيار الإسلامى فى فيصل بدأ يستخدم المساجد الكثيرة فى هذا الحى لتهدئة الأهالى وإقناعهم بضرورة الصبر على محمد مرسى رئيس الجمهورية، لكن أهالى فصيل قرروا المشاركة فى مظاهرات الأربعين والغريب، إضافة إلى حماية ممتلكاتهم من أعمال البلطجة.
4- الجناين
الحى يبان من عنوانه
الجناين حى يبان من عنوانه واسمه، وهو ريف محافظة السويس ومركز ثروتها الزراعية، لكنه فى الأيام الحالية هو مركز شائعات الإخوان المسلمين بأن هناك بلطجية قادمين من الجناين سيهجمون على مسيرات ومظاهرات الثوار لتفتيتها وإجهاضها وترويع الأهالى، حتى لا تنضم إلى أى مسيرات أخرى والتزام منازلهم فى إعادة للمشاهد الترويعية التى كان يحاول نظام مبارك بها إفساد ما يصنعه الثوار، خصوصا أن الجناين به عدد كبير من العرب المشهورين فى أى مكان فى مصر بحيازة السلاح وتجارة المخدرات وأعمال العنف ومافيا سرقة السيارات.
انتشرت أول من أمس فى الأربعين فى أثناء تجمع الثوار للخروج للمسيرة شائعة تفيد بأن هناك بلطجية تم استئجارهم للهجوم على الثوار وإفشال المسيرة قبل أن تبدأ، وهذه الشائعة هى التى ساعدت المسيرة بشكل غير مباشر على زيادة عددها، فبعد أن سمع أهالى السويس بأن هناك هجوما سيقع على الثوار زحف الجميع لدعم المسيرة وتأييدها وحمايتها، والتصدى لأى هجوم عليها، مثلما فعل الأهالى مع البلطجية الذين حاولوا سرقة محتويات قسم شرطة السويس بعد حرقه، لكن الأهالى تصدوا لأعمال البلطجة وأجبروا البلطجية على الهروب وقاموا بتسليم محتويات قسم شرطة السويس من أجهزة كمبيوتر وسجلات وتكييفات إلى أفراد الجيش، فأهالى السويس لا يثورون فقط، وإنما يقومون بدور الشرطة التى لا يعلم أحد متى ستعود فى السويس مرة أخرى، خصوصا بعد أن قام مجند الأمن المركزى بقتل 8 شهداء فى أثناء مظاهرات الجمعة الماضية أمام مبنى محافظة السويس، وهى الواقعة التى زادت الطين بلة بين أهالى السويس وأفراد وزارة الداخلية. حى الجناين فى السويس لم يظهر فى السويس خلال ثورة يناير لإسقاط نظام مبارك بعد أن سيطر الأربعين على أجواء وأنباء الثورة والثوار، لكن أهالى الجناين الرافضين لنظام الإخوان الحالى ينضمون إلى التجمعات فى الأربعين التى تبدأ ليلا للمشاركة فى المسيرات لتأكيد أن الجناين لم تنعزل عن السويس والأربعين، وبها ثوار هم أهلها الحقيقيون وليس العرب والبلطجية الذين يسكنون بالجناين بفضل الداخلية التى كانت هى صاحبة الفضل فى إنشاء دولة البلطجية. وبعد المسافة قليلا بين الجناين وحى الأربعين أو الغريب لم يمنع أهالى الجناين أول من أمس من المشاركة فى مسيرة رفض حظر التجوال والطوارئ، التى طبقها مرسى على السويس رغم تصريحاته قبل أن يكون رئيسا بأننا لا نحتاج إلى عودة قانون الطوارئ، لكن فشل الإدارة ونقص الخبرة «يعمل أكتر من كده». ويحاول أهالى الجناين التصدى لأى محاولات من العرب.
5- عتاقة
الوقوف أمام مطاريد الجبل
حى عتاقة فى السويس لم يكن أهدأ حالا من باقى أحياء السويس، لكن الصخب هذه المرة مختلف، فبدلا من أصوات الثوار وهتافات ضد محمد مرسى والإخوان المسلمين ومسيرات ثورية ضد فرض الطوارئ وحظر التجوال، هناك أصوات للرصاص التى بطلها مطاريد الجبل على قسم عتاقة وسجنه العمومى، وهو القسم الوحيد الباقى والصامد فى السويس حتى الآن، ولا يعلم أحد هل سيستمر صامدا أم هناك رأى آخر.
الجيش الثالث الميدانى يؤمن القسم وسجنه العمومى بكل ما لديه، خصوصا أن أهالى المسجونين يواصلون الهجمات على القسم بشكل يومى فى محاولات منهم -فاشلة حتى الآن- لتحرير أقاربهم المسجونين، لكن أهالى السويس المشاركين فى مسيرة أول من أمس استبعدوا نجاح مطاريد الجبل فى فك أسر المساجين، بعد أن تم نقل مساجين باقى الأقسام التى احترقت إلى هذا السجن ليضم جميع مجرمى السويس.
بعيدا عن عتاقة وبالتحديد فى بورتوفيق، وهى المنطقة الأكثر هدوءا فى السويس المبنية على الطراز الفرنسى، وبها المجرى الملاحى لقناة السويس داخل المحافظة تنتظر ما ستسفر عنه الأيام الماضية من قرارات سياسية. الوضع فى السويس صباحا طبيعى وهادئ والجميع يمارس عمله بشكل طبيعى، ويبقى المساء للثوار والمحتجين والغاضبين والرافضين لقرارات الإخوان ورئيسهم ومكتب إرشادهم، ليتحول حظر التجوال فى السويس إلى حظر تجوال للإخوان فقط والتيار الإسلامى الذى لا يظهر منه أحد ابتداء من التاسعة مساء موعد بدء المظاهرات والمسيرات لشعب الثورة بالنسبة إليه فى «الراس مش فى الكراس».
التحرير





