الأساطير المؤسسة للثورة المصرية: سلمية.. سلمية

سار جسده مكفنا بألوان العلم شارع قصر العيني كاملاً، وصلّينا على الجنازة في ميدان التحرير، ثم ذهب جسده إلى أهالي الشهداء المعتصمين أمام مبنى التلفزيون ليحيّيهم قبل أن يوارى في الثرى في مقابر الدراسة مساء أمس. هذا آخر شهداء الثورة، فقط 5 أشهر فصلت بين عربة السفارة الأميركية التي هشمت رأسه، وخلع أجهزة التنفس الاصطناعي عن رئتيه صباح 27 حزيران/ يونيو حزيران ليصبح آخر شهداء الثورة.
محمود خالد، واحد من شهداء الثورة التي يتهافت كتاب مقالات الرأي والأعمدة في الصحف المصرية، وضيوف برامج التوك شو، وأنصار “حزب الكنبة” من الذين شاهدوا الثورة متلفزة، على وصفها/ وصمها بـ”السلمية”. الأمر تجاوز الداخل، واكتملت الحلقة الجهنمية عندما طلب أحد مخرجي الأفلام الوثائقية “الأميركان” مشاركته في الإعداد لفيلم عن “سلمية الثورة”. هذه الـ”سلمية” التي أضحت أسطورة صدّرناها للعالم من ميادين مصر، تحولت إلى حقيقة يتعاملون معها ويحاولون توثيقها بأفلام ستظل الشاهد الباقي على أحداث يناير بعد أن نصبح مجرد كهول.
لم أصدق أن 800 شهيد وألف مفقود هم في عداد القتلى حسب الأرقام الحكومية، وأضعاف هذا الرقم في الواقع، وإحراق جميع أقسام الشرطة في القاهرة والإسكندرية، والكثير منها في المحافظات، وتدمير جميع مقار الحزب الوطني الحاكم وقتذاك، لم أصدق أنها جميعها صارت دليلا على سلمية، مزعومة، لثورة لم تكن حمراء لكنها بالتأكيد ليست ثورة بيضاء.
أتذكر جيدا مشهد السيارة الدبلوماسية التي خرجت يوم 28 كانون الثاني/ يناير، جمعة الغضب الأولى، من شارع السفارة الأميركية وسحقت في طريقها عددا من المتظاهرين كانوا إلى جواري. محمود خالد كان أحدهم، ولم أعرف إلا عند إعلان الخبر: “ارتفع آخر شهداء السيارة الدبلوماسية شهيدا”.
لن أنسى أبدا صوت عظام الثوار تتحطم تحت دواليبها السوداء، ليتحول شارع قصر العيني بعدها إلى ما يشبه ساحة حرب استمرت حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي. كانت هذه آخر قوات للشرطة تغادر شوارع القاهرة رغم نزول الجيش مساء الثامن والعشرين.
أتذكر جيدا مقرّ أمانة الحزب الوطني الحاكم في الليلة نفسها والشارع نفسه، وقد تحوّل إلى هدف للثوار، الذين يصفهم الآن إعلام ما بعد الثورة، بالمخربين و”.. مش دول شباب 25 يناير المهذبين”. أتذكر جيدا معالم فقراء حي السيدة زينب الشعبي المجاور لمنطقة غاردن سيتي الأرستقراطية وهم يحاولون كسر خزائن حديدية كبيرة، مؤكدين أنها تحوي نقودا سرقتها عصابات الحزب الحاكم، وأنها صارت الآن من حقهم. وأتذكر أيضا الخيبة التي علت وجوههم بعد أن وجدوا أوراقا ومستندات وقوائم عضويات منحوها لنا، عندما عرفوا أننا صحفيين، لنكتب عن هؤلاء اللصوص.
أتذكر جيدا هتاف “سلمية.. سلمية” ونحن في ميدان التحرير نستقبل البلطجية الأسرى باللكمات والعصي الخشبية والحديدية التي قتلت عددا منهم يوم موقعة الجمل 2 شباط/ فبراير. شاهدت بنفسي مصرع أحدهم ضربا، وشاركت في كيل لكمات دموية في وجه أحدهم اقتحم الميدان بأنبوبة غاز يحاول تفجيرها، حتى كسرت إصبعي بعد أن تحوّل وجهه إلى كتلة لحم مشوهة، ونحن نهتف “سلمية.. سلمية”. أتذكر هذا الهتاف جيدا، لكنني لم أتصور أن يذهب دفاعنا الشرعي، العنيف والدموي، عن النفس إلى شعار يحاول الجميع تصديره باعتباره من أبرز معالم الثورة.
أتذكر ضحكاتنا أثناء اعتصام التحرير في ليالي فبراير الباردة حول أكواب الشاي والسجائر مجهولة الماركة، كانت كنزا حقيقيا، ونحن نتذكر انتصارنا في معركة الجمل وهتافنا ونحن نكيل اللكمات ونقذف المولوتوف: سلمية.. سلمية، لكننا لم نتصور الآن أن تصبح هذه “النكتة” حقيقة يسعى وراءها صائدو الجوائز من مخرجي الأفلام الوثائقية المشاهير والصحافيين وكتاب الأعمدة ومقالات الرأي في الصحف.
أتذكر جيدا التغيير الديموغرافي الذي لحق بالميدان في أيام الاعتصام الأخيرة وقبل التنحي مباشرة، وكيف أن وجوها جديدة جاءت تتفرج على “مولانا ميدان التحرير” بعد تأكدهم من انتصاره، وأتذكر جيدا وجوه العديد من هؤلاء وقد قاموا بكل همة ونشاط بإزالة رسوم الغرافيتي التي غطت جدران المباني المحيطة بالميدان وبعض المواقع الخالدة على الأرض، مواقع سقوط الشهداء في معركة الجمل.
أعرف أن لوثة “النظافة” وسعار تلطيخ الأرصفة والجدران بالألوان جاءا كرغبة صادقة من هؤلاء في تصدير وخلق هذه الهالة المقدسة على رأس الثورة، لكن الشيء الذي لم أتصوره أن “توصم” ثورتنا بالسلمية. هي ليست تهمة على كل الأحوال، لكنها تتحول الآن لتصبح إحدى الأساطير المؤسسة للثورة المصرية.
يحاول المشاركون دائما في أي ثورة إضفاء هالة من القدسية والبهاء الأبيض على أحداثها، لكن الحقيقة تكون غالبا غير ذلك، فالثورة الفرنسية التي ألهمت العالم شعارات الحرية والمساواة والأخوة جاءت بعد جولة “القديسة جيلوتين” التي أطاحت رؤوس الملكيين. والثورة البلشفية خرجت منتصرة عقب حرب أهلية وثورة مضادة مدعومة بأساطيل 14 دولة غربية وخلفت وراءها آلاف القتلى. صحيح أن ثورتنا مقارنة بهاتين الثورتين الكبيرتين تعتبر بيضاء لكن بأي حال من الأحوال ليست هذه الثورة سلمية.
هاجس الأفضل والأروع والأطهر، وجميع صيغ أفعل التفضيل، هي ما يسيطر الآن على عقول جموع المصريين عقب الثورة، وهذا أمر حسن، لكن الأحسن، في رأيي، هو الإيمان بأن هذه الثورة، هذا الفعل البشري الخرافي والمدهش، يكتسب أهميته من عفويته وأخطائه وعنفه وتضحياته التي يراها البعض دموية لكنها الحقيقة. فالحقيقة المجردة دائما، حتى وإن اكتست بلون الدماء، أفضل.
شباب





