نشأ حكم الرئيس الممثل للإخوان خلال (أزمة)، وبدأ أيام سلطته بـ(أزمة)، ثم مضى يُفجر بقراراته (أزمة) تلو (أزمة)، فتحول إلى (صانع أزمات) عليه أن يواجه الآن (الأزمة) الأكبر تعقيدًا وتشابكًا ، بينما هو يعجز من الأصل عن أن يُسَير الأمور اليومية الروتينية ببساطة وهدوء ودون مشكلات جانبية. إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية التي قادت الدكتور محمد مرسي إلى (قصر الاتحادية) كانت في حد ذاتها (أزمة محلية) تداخلت فيها أطراف دولية. لقد هددت جماعة الإخوان بأنه مالم يُعلن عن فوز مرشحها فإنها سوف تحرق البلد وتدمره ..وفي مناخ مِن الابتزاز والترويع أخذ محمد مرسي منصب الرئيس .. وأُعلنت النتيجة التي مازال مطعونًا عليها ببلاغ لم يتم التحقيق فيه. وأثبت الرئيس من اللحظة الأولى أنه يقتات على (الأزمات) فتفجرت على الفور أزمة (حلف اليمين) .. وما إذا كان سوف يذهب إلى المحكمة الدستورية أم إنه لن يفعل ذلك.. ورغم رضوخه وذهابه إلى المحكمة، فإنه بتردده كان قد أعلن عن خصومة معها قبل أن يتولى الحكم رسميا .. ثم بعد ساعتين كان أن اختصم علنا قطاًعا مهمًا من المجتمع حين قال: (وما أدراك ما الستينات) .. معربًا عن انتقاد لعصر الرئيس جمال عبدالناصر، بكل ماله من أنصار ومؤيدين . بعد بضعة أيام تحدى الرئيس أحكام القضاء، وفجر هو نفسه (أزمة)، بأن أعلن عن عودة مجلس الشعب الذي سبق أن صدر قرار دستوري بحله، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ .. ولما لم يتمكن من إعادة هذا المجلس .. كان أن أضمر للمحكمة وللقضاء برمته ضغينة سياسية عبرت عن نفسها في الإعلان الدستوري الصادر في ٢٢ نوفمبر الماضي .. الذي يمثل السبب الأهم، وليس الوحيد، للأزمة السياسية الحالية. قبل هذا وبعده تجسد مرسي (رئيسا- أزمة)، بدلا من أن يكون رئيسًا يُقدم حلًا لأزمات البلد .. وأصبحت تصرفاته تمثل عبئا وتفجر مشكلات وتثير تناقضات وتعبر عن انحيازات .. أكدت للمصريين أنه لايمثل (المشترك) فيما بينهم وإنما يعبر عن بعضهم، وكما يوقن الجميع الآن فإنه لم يعد (رئيس الكل) بل (ممثل فئة) .. وهو في حد ذاته ما خلق للناخبين (أزمة كبيرة) .. إذ كيف يقود الدولة رئيس لا يريد أن يكون قائدًا للمجموع وإنما قائد لمجموعة؟ اصطدم (الرئيس - الأزمة) بالقضاء، والإعلام، والأقباط، والليبراليين، والقوى التقليدية، ورجال الأعمال، كخصوم رئيسيين .. وعلى جانبي ذلك اصطدم هو وعشيرته مع فئات أخرى.. للمفارقة كان من بينها بعض حلفائه من التيار الديني المتطرف، والأمثلة لاتحتاج إلى ذكر وتكرار . لكن الصدام الأخطر كان فيما بينه وبين مؤسسات الدولة التي استشعرت التنافر معه، وتعزز ذلك بإطلاق جماعة الإخوان لما عرف باسم (عملية أخونة الدولة) وتطبيق ( التمكين) . إن هذا ما أدى إلى استنفار طاقات المقاومة والرفض من قوى إدارية ومؤسسية لديها مكانات ومصالح تعرضت للتهديد، وتؤمن بمبادئ لايمكن تعديلها بسياسات جديده للدولة بين يوم وليلة. إن لكل شخص طبيعة، ولكل فرد خصائص، ويتميز الرئيس محمد مرسي بأنه لا يضع يده في ملف إلا ويختار القرار الذي يسبب مشكلة، ويتجه نحو الاختيارات التي تثير حفيظة فئات مجتمعية عديدة. من المسلم به أن لكل قرار وجهًا سلبيًا، والقرار الذي تكون له سلبيات أكثر من الإيجابيات لا يكون قرارا بل مشكلة. وقد ضاعف الرئيس من سلبيات قراراته نتيجة لأنه تعممت بين جموع المواطنين انطباعات وآراء عنه تجعلهم يرفضون كل ما يصدر عنه حتى قبل أن يتم التعرف عليه .. أي القرار! تعود النقطة الأخيرة إلى أنه ثبت أن الرئيس لا يلتزم بما يعلن، ويتخذ مواقف كان ينتقد عليها الحكم السابق، ويقول كلاما ويرجع عنه، والأهم من كل هذا ثبوت خداعه للناخبين بما عرف باسم (مشروع النهضة) الذي تم التأكد من أنه غير موجود .. وأنه لم يكن سوى مجموعة من شعارات الدعاية الانتخابية التي سرعان ما تبين أنها وهم كبير . إن لكل نسق نتيجة، والنسق الذي تم الدفع بالدكتور محمد مرسي من خلاله وعبره كان لابد وأن يحوله إلى (رئيس - أزمة) وكان لابد أن يجعل منه (صانع أزمات) .. فهو لم يكن مرشحًا أصليًا بل احتياطي وبديل للمرشح المبعد خيرت الشاطر .. تلك صفة لم تخصم منه منذ البداية فحسب، وإنما فرضت عليه قيودًا محددة.. إذ ذهب إلى الرئاسة بطاقم من المعاونين الذين لم يكونوا قد خصصوا له وإنما لمرشح غيره . وفضلا عن الالتزامات الخانقة التي لا يمكنه الفكاك منها تنظيميا، باعتباره عضوا في جماعة الإخوان، التي لديها بدورها مشكلات عديدة، تم وضعها على كاهله، فإنه في الطريق إلى الرئاسة كان أن عقد تحالفات انتخابية عديدة مع تيارات لديها بدورها ثأرات مع المجتمع .. وفرض عليه ذلك مجموعة من الالتزامات للحلفاء .. إذا ما التزم بها سبب مشكلات مع فئات غيرها ..وإذا لم ينفذها نشأت مشكلات بينه وبين الحلفاء .. وكلا الأمرين حدث بالفعل مع الحلفاء من السلفية وغيرهم . في إطار نسق المتناقضات انكشفت مواقف الرئيس مرسي ما بين مبدئيات معلنة من قبل الجماعة التي ينتمي إليها، ومجموعة من الالتزامات المستجدة التي قررت الجماعة ومن يمثلها القبول بها على المستويين الإقليمي والدولي، وفق التفاهمات غير المعلن عنها بين الإخوان والولايات المتحدة. لقد كان من الممكن أن تتأجل لحظة الكشف، لكن إسرائيل سرعان ما فجرت أزمة غزة.. وهو ما دفع الرئيس مرسي إلى أن يسدد الاستحقاقات علنا بدلا من أن تبقى بعيدة عن الأضواء لفترة أطول من الوقت .. ما سبب صدمة إضافية للرأي العام . على شاكلة هذه التقاطعات ما بين المعلن والمخفي، ومابين الوعود الخيالية والواقع الذي لا يلمس تحققا لها، ومابين القدرة الحقيقية والإمكانية المسوقة دعائيا، وما بين الرئاسة - كمؤسسه - والتزاماتها الوطنية والجماعة ومصالحها الخاصة، ومابين إرادة الرئيس وصلاحيات بقية المؤسسات.. كان من الطبيعي أن يصبح الرئيس (أزمة) لنفسه قبل أن يكون (أزمة) لمجتمعه.. وبالتالي فإن النسق الذي صار فيه وعليه لا يقود الا إلى صنع الأزمات . إن ذلك يقود إلى بضعة نتائج لا فرار منها . أولها أن القبول بذلك التحليل يعني أن الحديث عن ضرورة منح فرصة للرئيس لكي يكشف عن قدراته ويقدم إنجازاته.. هو استهلاك لا طائل منه للوقت والجهد.. لأن النسق لايقود إلا لمثل ما نحن عليه ..والمقدمات لن تقود إلا لتلك النتائج . وثاني تلك النتائج أن (صانع الأزمات) لايمكن أن يجد حلًا لـ(أزمة)، فهو صريع التناقضات، ويعاني من أعباء تثقل كاهله، وتقاطعات تجعل اختياراته ضيقة، ومحدودة، وغير مبدعة، وتؤدي إلى تفجير مزيد من الأزمات.. لأنها لا تحقق المشترك الأكبر من ترضيات الفئات المجتمعية الأعرض ..بل تصطدم بأغلبها . وثالثا، أنه ترسخت بين الرئيس وبين الرأي العام (أزمة ثقة) كبرى، خلقت بينه وبين الناس فجوة هائلة، لايمكن العبور فوقها، لكي يقتنع المواطنون بقراراته . وبالإجمال ، إذا ماإفترضنا أن المظاهرات قد سكنت ، والإعلام الضاغط إلتزم الصمت وتوقف عن النقد ، وجبهة الإنقاذ المعارضه تفككت وتلاشت ، فإن هذا لن يقود الي حل (أزمة مصر) .. لأنه لا الرئيس قادرا علي ان يجد حلا مُرضيا ، ولا الجماعه لديها رؤيه تقضي علي كل المشكلات أو حتي بعضها ! . المحيط