وجدان فهد تكتب: الإعلام والأزمات (2)

96كنت قد تحدثت في مقالي السابق عن إصداري الأخير كتاب «الإعلام والأزمات» وتطرقت فيه إلى دور الاعلام وأهميته أثناء مواجهة الأزمات، فهو الذي يمثل بؤرة اهتمام الرأي العام عند حدوث أزمة أو كارثة، كما تطرقت إلى الاعتبارات الواجب مراعاتها عند التعامل مع الاعلام في قضايا الأزمات اولها تلبية احتياجات أجهزة الإعلام من المعلومات والحقائق المتعلقة بالأزمة من قبل الجهات المسؤولة، والإعلان عن الحقائق وتطورات الموقف بصورة واضحة لا تقبل الالتباس حتى لا يحدث تحريف فيها. مع ضرورة الاعتراف بالأخطاء.
واختتمت المقال بسؤال ما إذا كان إعلامنا البحريني قد نجح في التعامل مع أزمة (14 فبراير) وفق ما أوضحت أعلاه، أم فشل؟ وما هي أسباب النجاح والفشل؟ ثم كيف السبيل للارتقاء بإعلامنا الوطني في مواجهة الازمات..
في الحقيقة أن اعلامنا الوطني بمختلف وسائله نجح في أشياء وأخفق في أشياء أخرى كثيرة، وسندي في هذا القول الدراسة البحثية التي أجريتها على عينة من المجتمع البحريني، وكذلك استقصاء آراء عينة اخرى من الإعلاميين والصحفيين البحرينيين.
وابرز ما خلصت له من نتائج أن الاعلام الوطني يمثل المصدر الأول للمعلومات عن الازمة للجمهور في حين تليه المصادر الإعلامية الخارجية كالمواقع الإخبارية على الانترنيت والفضائيات والشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية، انما للأسف إعلامنا البحريني كان مرتبكا بادئ الأزمة وتباطأ في تزويد الجمهور بالمعلومات والحقائق، لذا اتجه هذا الجمهور الى وسائل أخرى أكثر نشاطا في سرعة النقل ومع الأسف أقل أمانة وصدقا في تحري صحة المعلومات التي استقتها من اتصالات هاتفية من مصادر غير مسؤولة وغير مؤهلة لعمل المراسل الميداني، ولذا في رأيي الشخصي لا لوم على قناة الجزيرة والبي بي سي والسي إن إن وغيرها في بث معلومات مغلوطة وقبولهم لاتصالات الأطباء كمراسلين اخبار ميدانيين في الوقت الذي كان إعلامنا البحريني في لحظة انفصال عن الواقع وذهول، حتى إن أحد الصحفيين الذين سجلت شهاداتهم في الكتاب بأن تلفزيون البحرين استغرق في سباته 12 ساعة ليبث خبر اجلاء المتجمهرين في فبراير 2011 من ميدان مجلس التعاون سابقا وميدان الفاروق حاليا، بينما الفضائيات الاخرى هرعت الى النقل المباشر فور وقوع الحدث!!.
وبالرغم من اتجاه الجماهير إلى الشبكات الاجتماعية للتعرف على أحداث ووقائع أزمة 14 فبراير، ومساهمتهم بأنفسهم في النشر عن هذه الوقائع، إلا أن ثقتهم في هذه الشبكات وما يتناقل عبر الهواتف شبه محدودة، بل يرون أنها أسهمت في تضليل الرأي العام بدلا من تنويره، وذلك لعدم معرفة المصدر الحقيقي للمعلومة المتناقلة، من هنا وجب التركيز على تطوير وتنويع قاعدة المصادر الإعلامية للجهات الرسمية كالوزارات والهيئات الإعلامية والصحف على تلك الشبكات والاهم من ذلك تحديث المعلومات فيها باستمرار وعدم الاكتفاء بفتح الحساب على الشبكة الاجتماعية كالتويتر والفيس بوك وغيرها فقط.
أما بخصوص أداء تلفزيون البحرين أثناء الأزمة فقد علل المبحوثين الذين شملتهم بالدراسة سبب عدم رضاهم عنه إلى عدم تقديمه برامج تتناسب مع حجم الاحداث الواقعة آنذاك، فما كان يعرض إما برامج روتينية تحث على المواطنة والوحدة، وأما برامج محاكمات علنية وتشكيك في الذمم لبعض الشخصيات ليس مقام مسائلتها في برامج تلفزيونية!! وكان ينبغي من تلفزيون البحرين حينها تقديم برامج حوارية تناقش وتحلل مع المختصين ما يحدث على الصعيد السياسي وانعكاسات الأوضاع الأمنية على السلم الأهلي، وعدم ترك ساعات البث لتلقي اتصالات مشحونة بالانفعال العاطفي للحديث عن اكبر ازمة سياسية وأمنية تشهدها البحرين حتى يومنا هذا!!
بالمقابل تفوقت الصحافة المحلية على مواقع الشبكات الاجتماعية ورسائل الهواتف الذكية من حيث مستوى المصداقية في نقل ومتابعة احداث الأزمة، واكثر ما كان يفضله المبحوثين هي قوالب الأخبار والأعمدة، إلى ذلك فقد رأى تسعة وخمسين بالمائة من أفراد عينة الدراسة أن الخطاب الرسمي للقيادة والجهات الرسمية ساعد في تنوير الرأي العام بمجريات الأمور في البحرين وتطمينه، وهذا ما يؤكد ضرورة تكثيف الخطابات والبيانات الصادرة عن الجهات الرسمية لاطلاع الجمهور على الحقائق بما يسهم في تشجيعه على أن يكون شريكا في حل الازمة وليس عنصر تأزيم لقلة ما يملكه من معلومات واعتماده على مصادر مضللة. وهنا انوه إلى دور الناطق الإعلامي فلا بد أن يكون شخص مستقل وليس مؤدلج وملمّا بأدق التفاصيل في المجال الذي يتحدث عنه والاهم من ذلك قدرته على صياغة رسائل اعلامية ذات مضمون محدد يسهل تقديمه للصحفيين واستيعابه لدى عامة الجماهير، اما إذا كان هذا الناطق مجرد ناقل لما يكتب له فلا داع أصلا من وجوده وتعيينه.
وخلاصة القول إن كانت الصحافة وبعض الحسابات على التويتر والمدونات قد تفوقت على التلفزيون والاذاعة فهذا لا يعني عدم وجود فرص للتحسين في هذه الأجهزة التي تبقى مصدر ثقة الجمهور. انما لابد أن تنشط ولا تبقى اسطوانة العجز المالي والحاجة الى التدريب البشري يرددها القائمون على تلك الأجهزة، فكم من مسؤول امسك بزمام هيئة الاذاعة والتلفزيون ورحل وبقيت الاسطوانة على حالها، نحن مشكلتنا فقط في التخطيط الاعلامي والتوظيف الامثل للطاقات البشرية الموجودة، أما التمويل فسوف يتقاطر مجرد ما تحل الإرادة الصادقة للتغيير في إعلامنا وتطويره. 

أخبار الخليج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى