الإخوان المسلمون وأخطاؤهم الإستراتيجية!

بقلم: عبد الكريم رضا بن يخلف |
|
يمكن أن نتفهم الأستاذ الراحل حسن البنا، عندما أسس جماعته، وأراد أن يعطيها بعدها الدولي في ظروف سياسية قاتمة، وقاهرة كان العالم الإسلامي يعيشها، وعلى رأس تلك الظروف الاستثنائية نجد سقوط كيان الخلافة الإسلامية المتمثل في الخلافة العثمانية، زيادة على أن غالب البلدان الإسلامية كانت تعيش تحت وقع الاحتلال الأجنبي أو الحماية الغربية، كان يمكن أن نتفهم إستراتيجية مؤسس الجماعة في تلك الظروف، ومحاولته بث روح وحدة الأمة عسى يحس كل طرف فيها بالطرف الآخر ويهب لمساعدته والوقوف إلى جانبها. و لكن بعد أن أخرج الله بلدان العالم العربي من استعمار وحماية الدول الغربية إلى نعمة الاستقلال والحرية، حيث تأسست دول ومملكات وإمارات لها حكامها، ودساتيرها، وخصوصياتها، لا نتفهم البتة استمرار التنظيم “العالمي” للإخوان المسلمين، ومكتب إرشاد الجماعة العالمي، في ظل وجود قوانين واضحة وجلية، تمنع تدخل أي جهة أجنبية في الشأن الداخلي، تحت أي مسمى ومن أجل أي هدف، ولا أظن أن بلدا في العالم تخلو قوانينه من هذا الأمر. لم نقدر أن نستوعب أن مكتبا جل أعضائه من المصريين، وهو أكيد يخلو من أي جزائري، بعد وفاة الراحل الأستاذ محفوظ نحناح، يتدخل في حل إشكالية التنظيم في الجزائر ووحدة صفوفه، ويرسم لهم الخطط والمقاربات، ثم لما تتكلم مع الأعضاء الجزائريين، تجد من يقول، أن أولئك يعرفون دقائق الأمور أكثر من الذين يعيشون في البلد! إن العمل السياسي يكون مجديا لما تكون الأوضاع قاتمة، لما يسود ذلك البلد ظلم اجتماعي، وفوارق بين الشعب وتفقير له، نتفهم بروز جهات سياسية ناصحة أو ثائرة لإعادة قطار ذاك البلد إلى سكة الصواب والعدل والحق، لم نستوعب سبب قيام جماعة الإخوان المسلمين بالتحرك السياسي في بلد مثل الإمارات العربية المتحدة، التي يشهد لها العدو قبل الصديق بهناء الناس فيها وبصدارتها لعيش المواطن الكريم، ليس في العالم العربي فحسب، ولكن في العالم أجمع. لما لم تتوجه الجماعة إلى الصومال، حيث كل شيء يحتاج إلى بناء؟ أم أن البقرة هناك هزيلة؟ لما لم تتوجه إلى قطر؟ أم أن الأمر خط أحمر؟ ثم نلج موضوع البيعة، التي لا يمكن إدراجها إلا تحت طائلة الدولة، لا نتفهم بقائها في قرننا هذا الذي نعيشه في ظل الدساتير والقوانين، ومبدأ الطاعة والعصيان، لو كانت الجماعة صوفية بحتة، قد نلتمس لها عذرا فالصوفية لا يلجون الميدان السياسي، ولا يشجعون على الاستيلاء على أنظمة الحكم، وهي تحصر مهمتها على التربية والتزكية، ولكن لا نجد عذرا لجماعة الإخوان المسلمين التي تعلنها صراحة أنها حركة سياسية. قد وقعت في العالم الإسلامي أحداث عديدة، لعل التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين يفهم أن المرحلة قد تغيرت، وأن الأمور قد تبدلت، وأنه لا بد من التحول، ومعرفة الخطوط الحمراء الجديدة، لما ظهرت أكثر فأكثر تنظيمات إسلامية منشقة، تحمل في طياتها مطالب الخصوصية والوطنية، التي لا تتنافى مع عالمية هذا الدين وهذه الأمة، مثلما وقع في تونس بانشقاق الأستاذ الغنوشي عن التنظيم العالمي، او الأستاذ جاب الله في الجزائر، أو الأستاذ حسن الترابي في السودان. نحن على يقين أن كل جماعة أو تنظيم أو تيار له عصر ذهبي، كما له عصر اندثار، وأظن أن العقلاء والنبهاء من التنظيم، الذين لم يستطيعوا أن يسايروا النهج الذي اختارته الجماعة، بدؤوا يغادرون القطار، أقول يغادرون ولم أقل يتساقطون، لأنهم يعون أن خدمة الدين والأمة لم ولن تكون حكرا على أحد. إن العمل من أجل نصرة الدين والأمة سلوك قبل أن يكون ادعاء، والله وحده الأعلم بمن ضل عن سبيله، وهو وحده الأعلم بالمهتدين.
.middle-east-online |





