
أجمل ما فى الخبير الاقتصادى العالمى محمد العريان (غير أنه من أصل مصرى بالطبع)، أنه يمتلك قدرة مذهلة على اكتشاف الأمل من وسط أية كومة بؤس وعتمة، ناهيك عن قدراته الخاصة فى فهم المعضلة الاقتصادية وإيجاد حزمة لا بأس بها من الحلول، وقد قدم أخيرا ورقة بحثية بعنوان «ناقوس الخطر الاقتصادى فى مصر»، نشرها موقع «بروجيكت سنديكيت» الالكترونى، وهى ورقة تعكس فهم عميق للحالة الاقتصادية التى تعترى مصر هذه الأيام، وتقرأ بسهولة مستقبله الذى يسير بخطى ثابتة فى اتجاه الخطر، كما تكشف الورقة العجز الكامل لأصحاب القرار، والنخب السياسية المختلفة، فى رؤاهم لحل ما يتعرض له الاقتصاد المصرى من أزمات.
وربما من أدق التعبيرات التى صكها محمد العريان فى ورقته البحثية (وفقا لترجمة الزميلة التحرير)، تعبير «المستنقع السياسى» لوصف ما يدور الآن من صراع النخب الحاكمة، مؤيدة ومعارضة، والأهم من التعبير استنتاجه بأن هذا المستنقع لن يجف فى المستقبل القريب، لكن دون أن يمنع وجود هذا المستنقع من إيجاد حل للمشكل الاقتصادى والمالى، وهو يرى ضرورة التعاون بين الخبراء والتكنوقراط وأبطال «المستنقع السياسى»، فى ظل وجود شرطين، الأول: أن يكون هناك دعم للرؤية الوطنية للحل، والثانى: مصداقية القيادة السياسية، دونما أن يشترط جفاف المستنقع، فالعريان يشير بوضوح للإمكانات الهائلة للاقتصاد المصرى التى لا يستغلها أحد حتى الآن، وأشار الخبير العالمى إلى نموذج يمكن تحقيقه بسهولة، وهو إعادة توجيه المؤسسات التى كانت تعمل من أجل عدد قليل من المصريين فى ظل النظام السابق، إلى مؤسسات تعمل من أجل عدد أكبر، وأن هذا فقط سيزيد كثيرا من الناتج المحتمل للأداء الاقتصادى.
والخبر الجيد فى ورقة العريان البحثية، أنه لا توجد مشكلات هيكلية فى بنية الاقتصاد تمنعه من التعافى السريع، فهو يراه ذا بنية فتية قوية قادرة على الصعود والتقدم وتحقيق المطالب الأربعة الأساسية «الخبز، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية»، أما الخبر السيئ فإن كل هذا مرهون بالموقف السياسى الذى يراه العريان بالغ السوء ويصفه بالمستنقع ويشير بوضوح لأخطر سماته وهو شعور الشعب باختطاف الثورة، وهو الأمر الذى يفقده الثقة فى النخب الحاكمة، وبالتالى يدفعه للنزول للشارع بسهولة لمحاسبة الزعماء، بعدما نجح هذا النزول فى الإطاحة بمبارك، وإقصاء العسكر من الحكم.
الأسوأ بصراحة شديدة، أنه لا توجد أى قوة تعمل بصدق وإخلاص على الخروج من الوضع السياسى المتأزم (المستنقع)، بل على العكس تماما، فكل ما يحدث يشير إلى مزيد من التوغل داخل هذا المستنقع، تردد النخب الحاكمة وعنادها واستهانتها بمطالب الجماهير، وعدم كفاءة النخب التى تدعى الوقوف فى منتصف المسافة بين نخب الحكم (الرئيس، الجماعة، الحرية والعدالة) ونخب المعارضة التى لا تملك شيئا سوى البيانات والمؤتمرات بعد أن أفلتت الجماهير تماما من سيطرتها وغابت عنها حلول السياسة، ليتقدم الاضطراب لواجهة المشهد فى مواجهة مع أجهزة امنية تعيسة لا نملك سوى الاشفاق على موقفها شديد التعقيد.
وحتى نفهم لماذا يتمدد المستنقع السياسى فى البلاد، نتابع ما حدث قبل يومين فيما أطلق عليه «جبهة الضمير»، ففور الإعلان عن انطلاق وتأسيس الجبهة، أسرع ثلث أعضائها بإعلان عدم انتمائهم لها وأنهم لا يعلمون شيئا عنها، فى مقابل تصريحات لمن تبقى من أعضاء الجبهة بأن الجميع كان يعلم لكنهم تراجعوا بعد معرفة الإعلام بالخبر، فى إشارة إلى أن الجميع يفضل المفاوضات والحوارات السرية، وهو كلام لا يقبله عاقل، ولا نفهم منه سوى أن «طين المستنقع زاد بللا»، وهذا بالضبط ما يخاف منه محمد العريان ويعتبره العقبة الكبرى أمام أية حلول ناجعة
الشروق
زر الذهاب إلى الأعلى