هذه ليست بلادى

يوسف القعيد
تطالعنى مصر بوجه مخيف. أقول لنفسى: لا يمكن أن تكون ما أراها مصر. وأرى من المصريين ما يناقض تاريخهم كله. فأتساءل: ماذا جرى لأهل الكنانة؟ وما الذى قلب حياتهم رأساً على عقب؟ قرية مصرية مثل كل القرى، يخطف لصان طفلة من أجل الحصول على فدية من أهلها لإعادتها. وهو سلوك مجرّم ومرفوض ولا بد من مواجهته ولكن من خلال دولة القانون.
يقوم الأهالى بالقبض على اللصين وتعذيبهما. حتى أشرفا على الموت. يعلقهما الأهالى فى أعمدة النور. تصل «الإسعاف» لإنقاذ اللصين. وكانا ما يزال بهما رمق الحياة. فيمنع الأهالى الإسعاف من نقلهما. ويُتْركان مُعَلَّقين حتى يموتا. تصل الشرطة فتُمنع من القيام بعملها تحقيقاً للحادث من أجل تحويله للنيابة ثم القضاء.
وقد سمعت مدير الأمن يقول «بعضمة لسانه» إنه لم يستطع محاسبة القتلة لأن أهالى القرية جميعهم اشتركوا فى قتل اللصين.. فهل يعقل هذا الكلام؟ كيف تحول المصريون وأصبحوا قتلة بهذا الشكل؟ فى ريفنا المصرى كان التراحم جوهر الحياة، وكانت المودة عنوانها، وكان المجتمع القروى الحامى لكل القيم هو الأساس الذى يعيش الناس عليه، وكانت للموت قدسية.. عندما يمر النعش فى حوارى البلد حاملاً الميت لدفنه، كانت الحياة تتوقف تماماً احتراماً للموت وإجلالاً له.
سلوك اللصين لا بد من مواجهته. لكننا أمام مفترق طرق. إما أن نبقى على دولة القانون وعلى المجتمع المصرى. أو أن نستعد جميعاً لدخول دولة الغابة ودنيا البلطجية. ونقول وداعاً لمصر التى كانت آمنة ومطمئنة.
ما جرى فى شبرا محنة أخرى. مصرى كل أهميته أنه عضو فى جماعة «لازم حازم». كان ابنه يلعب الكرة وعندما هُزِم استل سلاحه الأبيض وقتل من كان يلعب معه. وهنا لا بد من تسليم القاتل للشرطة لتتخذ معه الإجراءات. هكذا عرفت البشرية منذ أن اخترعت الدولة أصبحت نظاماً اجتماعياً يرتضيه الكل.
ثلاثة أيام من المعارك. حيث تم حرق 70 سيارة وتدمير أكثر من مائة محل ونهب البيوت سقط أربعة من القتلى وأكثر من مائة من الجرحى لأن والد القاتل يرفض تسليمه. فهو ينتمى لجماعة تجعله فوق القانون. ولا يستطيع أحد محاسبته. لينطلق بحر الشائعات التى تؤكد معنى واحدا: ألا وهو نهاية الدولة المصرية.
الشرطة الغائبة فى شبرا كانت حاضرة فى الزمالك للقبض على سياسيين ليبيين لا بد من تسليمهم لليبيا. خرج رئيس وزراء ليبيا ليكشف الملعوب ويقول إن التسليم مقابل عدم طرد العمالة المصرية من ليبيا، وإرسال استثمارات بلا حدود لمصر. أى أن الأمر صفقة. وأن الشرطة يمكن أن تغيب ويمكن أن تحضر بناء على الأوامر.
إن كان هذا يجرى فى القاهرة، فإن خارجها تعدى الجحيم. والحكومة لا حس ولا خبر. والدولة أخذت إجازة من الدولة.
الوطن





