أمة من «المهزومين»


القوى المتصارعة لم تتمكن من حسم الصراع لصالح أي منه وحسب، بل انها لا تعترف بأن المجتمع المصري يخوض صراعا ثقافيا مؤجلا منذ عقود على تحديد هويته، وما إذا كان مجتمعا له هوية إسلامية بحتة، أم هوية عربية صريحة، أم هوية مصرية لا تقبل اللبس.

بقلم: عبدالله كمال

بعد كل ما انتهى من جولات، من الذي فاز؟ هل يوجد منتصر في مصر؟ وقبل هذا السؤال وذاك: ما هو معنى الانتصار وتعريف الفوز في الصراع المصري؟ ثم متى تكون الجولة الحاسمة؟

في السياسة هناك تنافس كما أن هناك صراعا. الأول هو الوصف الأدق للتفاعل بين القوى المختلفة في إطار قواعد معروفة لنظام واضح. والثاني هو التوصيف الصحيح للتفاعل حين يخرج عن سياق التنافس وينتقل إلى مرحلة «فوق حادة» تقترب من العنف أو تكون قد وصلت إليه. وغالبا ما يكون الصراع مشهدًا ختاميًّا في عمر نظام يتخذ طريقه نحو الأفول، أو مشهدا افتتاحيًّا في عمر نظام جديد لم تترسخ قواعده ولم تنضج علاقاته ولم تتضح تفاعلاته.

التنافس السياسي يعكس استقرارا اجتماعيا ويتم في فضاء من الرسوخ الطبقي، وتحكمه قوانين مطبقة قادرة على الفصل في قواعد التنافس، استنادا إلى وجود سلطة تشرع القانون وسلطة تطبقه وسلطة تفصل في نزاعات تطبيقه، ذلك المثلث المعروف للمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

ومن طبائع التنافس، أن الأطراف تتفاعل في مناخه بقصد أن تتصدى لدور الأغلبية في إدارة النظام، بمعنى أن جائزة التنافس هي الحصول على حق «الإدارة»، في حين أن هدف الصراع الأساسي هو إما تغيير النظام الآفل، أو فرض قواعد على النظام الذي يتشكل. وكلما كان النظام مستقرًّا كان التنافس حرًّا ويؤدي إلى تقوية النظام مهما بلغت حدته. وكلما كان الصراع ـ في الحالة الأخرى ـ عنيفا أدى هذا إلى التعجيل بسقوط النظام أو منع استقرار النظام الذي يتشكل.

ذلك أن أهم قواعد «التنافس» أن يكون هناك اعتراف متبادل بين المتنافسين، في حين أن أصرح قواعد «الصراع» أن تكون القوى المتناحرة هادفة إلى إبعاد بعضها بعضًا من الساحة، ويصبح المعنى الوحيد للنصر هو إزاحة الآخرين. كما أن الهزيمة لا تكفي لإنهاء الصراع، بل الاختفاء الكامل لطرف لصالح طرف غيره. ومن ثم بقدر ما يمكن لصراع أن يهدم نظاما فإنه لا يمكن لأي صراع أن يؤسس لنظام بديل، لأن من خصائص القوى الاجتماعية ـ إذا انطبق عليها تعريف كامل للقوى ـ ألا تذبل تماما وألا تتلاشى من الوجود. القوى الاجتماعية لا تفنى هكذا بين لحظة وأخرى.

انطلاقا من هذه الإرهاصة، فإن ما تشهده الأمة المصرية الآن لا يمكن أن يصنف على أنه «تنافس سياسي» بل هو «صراع متكامل الأركان» بلغ مستوى بعيدا من التناحر الذي تحاول الأمة جاهدة، بما تملك من خبرة تاريخية وتجربة عميقة، أن تلجم القوى المتناحرة حتى لا تصل إلى نقطة الاحتراب أو ما تسميه التوقعات المختلفة بـ «الحرب الأهلية».

إن ما يدور الآن هو شد وجذب بين قوى محمومة تغشي أبصارها الرغبة الجارفة في أن تحقق ما تعتقد أنه انتصار على غيرها، والأمة المكلومة التي لا تريد أن تطلق للقوى المتناحرة الحبل على الغارب، بحيث تذهب أبعد مما وصلت إليه في تناحرها. ولأن أغلب تلك القوى أضعف من خبرة الأمة فإن الصراع سوف يراوح مكانه، لا يحقق نتيجة، إلا إذا فرضت قوة تنتمي لعمق خبرة الأمة قرارها على الجميع وفرضت وضع أسلحة التناحر جانبا.

هكذا لا يمكن القول إن هناك من انتصر أو في طريقه إلى الفوز، وهكذا نكون أمام «تناحر بلا نصر»، في حين أن جميع القوى كانت تمني نفسها بأن تحقق «نصرا بلا حرب». وهكذا ثالثا نكون أمام «أمة من المهزومين» أو على أقل تقدير «أمة من غير المنتصرين» أو «متصارعين نواقص».. أو بألطف تعبير «أمة من غير المكتملين».

قراءة الساحة تكشف مواصفات القوى وحالتها :

* الإخوان، ومن خلفهم قوى التيار الديني المتطرف المؤيدة لهم، يفترض فيهم أنهم حصلوا على الحكم لأول مرة منذ ناضلوا من أجله قبل قرابة تسعة عقود، لكنهم غير قادرين عليه، ولا يتمتعون بمؤهلاته، ويواجهون غضبا اجتماعيا وسياسيا، ومأزقا اقتصاديا، يمكنه أن يطيح بجدوى ما يقولون إنهم يتصدون لتطبيقه.. أي «المشروع الإخواني».. الذي يصف نفسه بأنه «المشروع الإسلامي».

* السلفيون، لا يمكن تصنيفهم على أنهم بعيدون عن الفريق الأول، غير أنهم على خلاف معه، خلاف حول الأسلوب والأنصبة. قد يكون صعودهم من تحت قاع المجتمع إلى سطح الساحة السياسية نوعا من الإنجاز غير المسبوق، إلا أن عبورهم نقطة الصفر لا يعني أنهم حققوا النصر.. وهم في حالة نضال لإثبات القدرة والصلاحية ويصارعون ما بين المبادئ التي يؤمنون بها والمتغيرات التي لايقوون عليها.

* القوى الثورية، المعبرة عن اتجاهات سياسية صاعدة، هي أكثر القوى اعترافا بالهزيمة، اعتقادا منها أنها قامت بـ “ثورة” تعرضت للاختطاف، ومن ثم ترفع شعار «الثورة مستمرة» وتخوض صراعا من أجل تحقيق أهداف لم يثبت أنها تتمتع برصيد اجتماعي واسع النطاق ولا تقوى على الصمود في مجتمع متشابك.

* القوى التقليدية، تلك التي تمت إزاحتها من الساحة السياسية عزلا أو إبعادًا بعد 25 يناير، وبخروج نظام الحكم السابق المعبر عنها، والتي ثابرت من أجل أن تستعيد مكانتها خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة بعد تطوير ذاتها وأدواتها خلف المرشح السابق أحمد شفيق. وعلى الرغم من رسوخ جذورها الاجتماعية فإنها لم تضع إطارا لتحديث مفاهيمها بحيث تكون قادرة على اجتذاب فئات أوسع من الشباب، كما أنه لا يوجد إطار يجمعها.

* الرأسمالية الوطنية، التي منيت بخسائر واسعة، بالمعاني المالية والسياسية والاجتماعية للخسائر، وفقدت مصداقية الدور الذي تقوم به في عملية التنمية، وتواجه تناقضا ما بين إيمانها بقيم السوق الحرة وخطابها الشعبوي. وهي ظهير قوي مساند لقوة الإعلام الذي يمثل فاعلا جوهريا في الصراع.

* المؤسسات الرسمية للدولة، وهي تتعرض لعملية تجريف واسعة النطاق تحت ما يسمى بـ «الأخونة»، وتواجه صراع هوية ما بين الأهداف التي تؤمن بها الدوله والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها حكم الإخوان، وتلك منطقة تقاطع نيران تنطوي على احتمالات تفجير واسعة التأثير.

هذه القوى الرئيسة في الصراع، لها ارتباطات وعلاقات تفاعل مع قوى أخرى، ليست أقل أهمية ولكنها أقل ظهورا في صدارة التفاعل، وبعكس المجموعة الأولى فإنها تتوافر في ساحة الصراع مناسباتيا.. وهي :

* المؤسسة الدينية الرسمية، برأسيها المسلم والمسيحي. وهي تواجه أعاصير عاتية تريد تقليص تأثيرها الروحي على تابعيها وتحاول أن تفرض عليها صيغا تتعلق بمنهجها، وتدفع دفعا إلى مزيد من الالتحام السياسي بالمجتمع أكثر من التحامها الروحي، وتنادي عليها القوى الاجتماعية بأن تمارس ذلك الدور.

* التيارات الصوفية التي يتقاطع تابعوها مع تمثيلات اجتماعية مختلفة، تنتمي في أغلبها إلى القوى التقليدية، وهي تواجه هجوما على مكانتها وعقيدتها ومن ثم تهاجم من يبادرونها بالهجوم.

* الفئات العمالية الموزعة بدورها بين قطاعات جغرافية وفئات سياسية مختلفة، وقد فرض الوضع السياسي والاقتصادي عليها تخوفا على مصالحها المعروفة، وتميل القوى السياسية المتصارعة إلى توظيفها في حالة التناحر المستعرة.. كلٌّ من أجل هدفه.

* المؤسسات الإعلامية المتنوعة، والموزعة بين مختلف القوى، التي تواجه بدورها صراعا ما بين أهم مقوماتها.. وهو الحق في حريه التعبير والرأي.. بينما هي منغمسة حتى أذنيها في الصراع السياسي وتمثل إحدى أهم أدواته في ظل خواء الساحة الحزبية من آليات قادرة على استيعاب الصراع السياسي.. أولا لأن الأحزاب وسائل تنافس لا صراع. وثانيا لأن الأحزاب المصرية حتى الآن بطبيعتها ضعيفة.

لقد اعتمد التصنيف الفائت ـ للقوى الرئيسة والتالية ـ على معايير اجتماعية ومؤسسية، لكن إعادة قراءة ساحة الصراع في مصر من الناحية الديموجرافية ومن الناحية السياسية، يمكن بدوره أن يكشف عن قائمة جديدة لقائمة القوى المتصارعة في مصر،حيث مصفوفة المعادلات متشابكة إلى حد بعيد. وفي ذلك يمكن رصد: قطاع الشباب، قطاع المرأة، الأقباط، الصعيد، البدو، التيار العروبي، التيار المصري، السلفية الجهادية … إلخ.

بالإجمال تبدو هذه القوى جميعا غير قادرة على تحقيق النصر، أو الفوز النهائي الذي لا معركة بعده، ليس فقط لعيوب في تكوينها.. وقدراتها.. وإنما لأن الصراع لم يصل بعد إلى مجموعة من الاعترافات الواجبة.. التي لم تقوَ أيّ منها على أن تصرح بها. ويمكن تخيل كيف يمكن أن تكون هذه القوى قادرة على خوض صراع وهي حتى لا تملك القدرة على إعلان أهدافها.

إن النقطة الجوهرية هنا هي أن القوى المتصارعة لا تعترف بأن المجتمع المصري يخوض صراعا ثقافيا مؤجلا منذ عقود على تحديد هويته، وما إذا كان مجتمعا له هوية إسلامية بحتة، أم هوية عربية صريحة، أم هوية مصرية لا تقبل اللبس.. أم أنه مزيج من كل هذا، وإذا كان مزيجا فكيف يكون، وما هي معايير المزج، وكيف تؤثر في مستقبل البلد.

ومن مفارقات الصراع أن كلًّا من تلك القوى تخفي خلف ظهرها الورقة التي تؤمن بما هو مكتوب فيها بشأن رؤيتها لهوية المجتمع وما تريده فيما يخص مستقبله. وفي الوقت ذاته، فإن كل هذه القوى ليست لديها رؤية محددة معروفة الأركان تخوض على أساسها الصراع، بينما هي بالفعل في آتون هذا الصراع.. هي تدافع عن مصالح لكنها في حقيقة الأمر لم تحدد تلك المصالح، وإذا كانت قد حددتها لا تعرف كيف يمكن أن تحققها.. وإذا عرفت فإنها لا تملك القدرات التي تؤدي إلى ذلك التحقق.

وفوق كل ذلك فإن كل القوى تفتقد إلى القيادات التي تستطيع أن تكون خيارا شخصيا يعوض أي نقص. من المؤكد أن هناك قيادات.. لدى الكثير منها إمكانيات وقدرات.. لكنها إما قد تم إثخانها بالجراح.. أو تصدرت المكانات المتقدمة دون أن تكون قد امتلكت كل مقومات القيادة. ومن تناقضات الصراع المصري الحالي أن هناك قوى كبرى لا تملك قيادات مؤثرة، وهناك قيادات شبه مؤثرة ليس خلفها ظهير اجتماعي وسياسي مكتمل القدرة.. في إطار معادلة غير المكتملين التي تتفاعل على الساحة.

من هنا تبدو الأزمة أعمق، وتتجسد صعوبة تخطيها، حتى مع إمكانية حدوث تغيير نوعي يؤدي إلى تعديل في وضع الساحة.. لاسيما على مستوى الحكم الحالي. وعلى الرغم من ذلك فإن من الممكن أن تنتقل مصر من مرحلة الصراع إلى مرحلة التنافس ـ بعد فترة انتقالية ـ إذا ما تمكن عدد من القوى من أن يعوض عدم إكتمال كل منها عبر تحالفات تاريخية.. لن تنشأ من فراغ.. وتحقق القدر الأكبر من الالتئام لفئات اجتماعية صاحبة مصلحة.. تفرض بصورة ما على هذا الصراع أن ينهي مرحلة التناحر وتجعل بقية القوى تقبل صفقة لا يمكن رفضها.. بعد أن تدرك أنها غير قادرة على تحقيق نصر حاسم.

إن مراجعة قائمة القوى المتصارعة يمكن أن تكشف عن تلك التي يجوز أن تتحالف، أو هي تتجه للتحالف بالفعل، على خلفية اتساق مع مواصفات المجتمع المصري الناطق بالعربية المؤمن بالوسطية الإسلامية القابل للتنوع والمرتضي بمتغيرات الحداثة والذي يصر على شكل تليد للدول المصرية.

ميدل ايست اونلاين

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى