خواطر من ميلانو

1

منتصر الزيات

كتبت مقالين عن خواطرى من مدينة ميلانو أكبر المدن الإيطالية والتى تشهد تواجداً مصرياً كبيراً للجالية المصرية فضلاً عن كثافة الحضور العربى والإسلامى بها، عند زيارتى الأولى لها عام ٢٠٠٨ تقريباً بمناسبة بدء محاكمة عملاء الاستخبارات الأمريكية المتهمين بخطف الإمام المصرى أبو عمر وتسليمه إلى مصر، وحضورى جلسات المحاكمة ممثلاً للشيخ أبو عمر وترددت على تلك المدينة الساحرة أربع مرات تقريباً فى متابعة تلك.

كانت محاكمة عملاء الاستخبارات الأمريكية حدثاً كبيراً، خاصة أن المحاكمة ضمت مسؤولين كبارا فى المخابرات الإيطالية، كانت ولم تزل ماراثوناً كبيراً وصراعاً محتدماً حول ما يمكن وصفه بأسرار الدولة وهو مدى التعاون بين أجهزة استخبارات البلدين واعتبار ذلك أمرا سياديا – ويذكر أن رئيس نيابة ميلانو سباتارو لعب دورا بالغ النزاهة فى جمع أدلة هذه القضية واقتحم مقر المخابرات الإيطالية وتحصل منها على مستندات وأوراق أسهمت فى كشف الحقيقة، التقيت هذا الرجل غير مرة، وشعرت بطمأنينة طوال فترة مباشرته الدعوى – غير أن المحكمة أدانت المتهمين بعقوبات مختلفة، ذهبت القضية أثناء ذلك إلى المحكمة الدستورية التى رفضت طعن الحكومة وانتصرت للحريات العامة والشخصية للأفراد ولو كان أجنبياً يقيم على أراضيها. وصلت القضية الآن إلى مرحلتها النهائية، على مستويين الأول أمام محكمة الاستئناف فيما يتعلق بأسرار الدولة فرئيس الوزراء الجديد استخدم صلاحياته فى الطعن مرة أخرى، والمستوى الآخر أمام محكمة النقض فيما يتعلق بإدانة المتهمين، الحقيقة أن القضاء الإيطالى يتسم بالنزاهة والعدل، فقد صمد فى درجاته المختلفة فى مواجهة كل الضغوط والحيل القانونية وتأيدت إدانته للمتهمين فى درجاته المختلفة.

على أبو عمر أن يخوض غمار معركة قضائية جديدة بعد حسم الطريق الجنائى، إذ عليه أن يتابع الطريق المدنى للحصول على التعويض المناسب، يحسب لأبى عمر أنه رفض تسوية مالية تحت الترابيزة وأصر على رد اعتباره أولاً ومحاكمة المسؤولين عن اختطافه وإهانته وتعذيبه وقد كان المتغير الوحيد فى زيارتى الأخيرة أن الرجل الذى كان يرعى قضية أبو عمر ويهتم بها ويسعى لوكالة المحامين بدأب، يتعرض حالياً لمحنة تمنعه من متابعة قضية أبو عمر أو غيرها مما يعانيه المصريون هناك وأعنى به الشيخ أبو عماد الحسينى حلمى، مدير المعهد الإسلامى الثقافى بميلانو، الذى تسعى السلطات الإيطالية لترحيله وإعادته لمصر واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه. أبو عماد كان قنصلية وحده، رأيت ذلك بعينى رأسى، يسعى لحل مشكلات المصريين هناك، يوفر إعاشة لمن يفد لتلك المدينة حتى يجد العمل المناسب، يتابع المشكلات الحياتية لإخوانه المصريين بل وغيرهم من العرب، يعطى الإعانات للعاطلين من صندوق خدمات المعهد وتبرعات المصلين، يقدم الفتوى فى المسائل الشرعية، يؤم المصلين فى الصلوات الخمس، يناهض التشدد برؤى وسطية معتدلة، يعظ الناس ويذكرهم بأيام الله، كنت أتصور أن السلطات الإيطالية تحرص على بقاء الرجل لا ترحيله وسلطاتنا نحن فى غيبوبة كأن الرجل ليس مصرياً يعانى أزمة!!

أما عن إهمال القنصلية المصرية وقنصلها فى ميلانو فحدث ولا حرج. أبو عماد يستحق من السلطات المصرية أن تتحرك من أجله فهو مواطن مصرى على كل حال، ويستحق من الجماعة الإسلامية التى ينتسب إليها أن تعمل من أجله، وقد صار لها ذراع وحزب سياسى هو حزب البناء والتنمية له نواب فى مجلس الشورى وأعضاء بالمجلس القومى لحقوق الإنسان، ليست للرجل أزمة فى بلده مصر، فعلى طول أيام مبارك وعرضها لم يتهم فى أى قضية على الإطلاق ولم تصدر بحقه أحكام قضائية. التقيت عدداً من الجالية الإسلامية هناك، تلقيت دعوة كريمة لإلقاء كلمة فى مسجد المعهد الإسلامى، واللافت رغم إقامة هؤلاء فى أوروبا وكان الحضور لجنسيات شتى من عالمنا العربى، لكن اعترافاتهم كانت حادة جداً ضد حضورى جلسة التحقيق للدفاع عن الإعلامى باسم يوسف! تقريباً نفس الاعتراضات التى سمعتها فى مصر، البعض تفهم وجهة نظرى والغالبية بقيت على موقفها الرافض، لمست محبتى فى عيونهم وتقديرهم العميق لتاريخى فى الدفاع عن الإسلاميين، طالبونى بأن أستمع لكامل حلقات باسم يوسف التى لم أسمعها لأرصد ما يرددونه فى اعتراضاتهم من جنوح يوسف إلى استخدام إيحاءات جنسية غير مبررة فوعدتهم بذلك.

لكن رسالتى وصلت إليهم وإلى غيرهم هنا أو هناك أن الحرية ليست ملكاً خالصاً للإسلاميين وحدهم، إنما هى لكل البشر طالما أنها مسؤولة وتقف عند حدود حرية الآخرين.

أحسب أن الأمر يحتاج لعودة نستكمل فيها خواطرنا واقتراحات مصريين مغتربين هناك يودون لو يسمعها الرئيس مرسى الذى حصل على أعلى نسبة تصويت لصالحه فى انتخابات الرئاسة بالخارج.

 

المصرى اليوم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى