تجربةُ اليسارِ الفرنسي في الحكم

لم يتصور اليسارُ في العالم تجربة الانتقال للاشتراكية بصور ممكنة فأُعتبرت كل تجاربه ومؤسساته المتكونة من هذا الوعي غير قابلة للنجاح.
لهذا كانت البرامج خلال قرن تتهاوى، وهي ثمرة طبيعية لتعقيد التحول الذي سوف يستغرق قروناً، ومن عدم وجود قوانين محددة معاصرة لهذا الانتقال التاريخي، وفهم مسار البشرية المعقد، خاصة مع سيطرة مفاهيم الصراع المحوري الإلغائي بين الطبقتين المنتجتين العمالية والرأسمالية.
وقد قارب الاشتراكيون الفرنسيون عملية التحول وهم في الحكم فأنتجتْ نتائج فكرية وسياسية مختلفة.
لقد اعتبرَ البرنامجُ الموّحد لليسار الفرنسي في انتخابات أوائل الثمانينيات أن(الطبقة العاملة هي الأكثر تضرراً من سياسة الرأسمالية الكبيرة وسلطتها، وبالتالي فإن أولويات الحكومة الجديدة ستكون هي الإجراءات الاجتماعية التي ستتيح للعاملين حياة أفضل).
واحتلت قوانينُ التأميم حيزاً كبيراً في برنامج اليسار الموحد في ذلك الوقت حيث ظلت بمثابة حجر الزاوية لتحقيق العدالة الاجتماعية. ونص البرنامج على أن: مجمل القطاع البنكي والمالي سيؤُمم بعد وصول اليسار إلى الحكم، كما أن هناك حداً أقصى لممتلكات المنشآت الصناعية الكبيرة لا يحق تجاوزه وإلا تعرضت للتأميم. كما أن القطاع العام سيتسع وسيدار بالتسيير الذاتي من خلال العاملين.
كان هذا الخيار هو خيار الحزب الشيوعي الفرنسي الذي أنجرّ إليه الحزب الاشتراكي، وعبّرَ ذلك عن وحدة اليسار على المبادئ الثابتة لليسار القديم، لكن هل كانت التأميماتُ تقود إلى قطاع عام مستقل عن الرأسمالية؟ وكيف يظهر حُكمان: حكم اشتراكي في السياسة وفي بعض المواقع الاقتصادية، وحكمٌ للشركات الرأسمالية الخاصة ولها إدارتها ونفوذها؟ وهل يمكن تجزئة البُنية الاجتماعية وقوانين الاقتصاد والأجور والأسعار؟
لكن التأميمات والسيطرة على مؤسسات خاصة وتأميم التعليم الخاص أثار ردود فعله واسعة سلبية.
لقد تفجرت مظاهرات صاخبة داخل فرنسا أجبرت الحكومة اليسارية الجديدة على التراجع عن كثير من هذه التأميمات.
وأثبت عقدا الثمانينيات والتسعينيات انهيار حلم اليسار الفرنسي وضرورة مشاركته في إدارة الدولة وإدارة النظام الرأسمالي ومعاجة الأخطاء والتبيانات الادائية فيها، وهكذ الا يمكن أن يكون هناك سوى تبادل أدوار، فتُعطى فرصة لوجه الطبقة العاملة في إدارة النظام، حتى يفشل المدير الراهن ويأتي المديرُ الرأسمالي للنظام! ولا يمكن للآخر أن يتحكم بشكل كلي هو الآخر.
إن ثنائيةَ الإدارة العمالية – الرأسمالية لم تكن تظهر للمصنع، ولم يقبل الرأسماليون سماعَ القضايا المعملية البسيطة ثم أضطروا لذلك حتى أخذوا يتفاوضون ويعقدون المؤتمرات مع ممثلي العمال، ثم صارت إدارة المجتمع السياسي بشكلٍ ثنائي بين العمال وأرباب العمل! فالمصنعُ هو خلية المجتمع وقيادته، وكلما صعد المصنعُ كقيادة تطورت إدارتُهُ السياسية بين العاملين فيه!
ولهذا فإن الفرنسيين وهم يقومون بهذه الخطوة المتقدمة بشرياً، وهم دائماً الطليعة في العصر الحديث، لا يعرفون من هذا الكتاب الكبير إلا بضعة سطور، ودور الشريك العمالي القائد في الحكم هو غير الشريك الرأسمالي القائد، فهو أقل خبرة وأقل معرفة وإدارة، وحين بدأ بمطالب هائلة ومجلدٍ كبير عما سينفذه، كان لا يزال يتصور أفكاره كافية عن الواقع ومواده.
ومن هنا فقد جاءت انتخابات 2007، واليسار في أوروبا قد طوى مرحلة من الزمن عرفت فيها الاشتراكية من خلال سياسة اقتصادية تعتمد على التأميم كوسيلة لإدارة التنمية وتوزيع الفوائض الاقتصادية بشكل سياسي معين دون آخر، وتغدو العملية مرتبطة بالقوى المؤثرة على المصانع والانتاج والأسواق وليس فقط في قرارات الإدارات السياسية.
كذلك فإن الاتحاد الأوروبي ليس هو دول رأسمالية متطورة بل هو قوى شعبية من عوالم أقل تطوراً كذلك، لها مشكلات ومستويات مختلفة، وغدت قضايا المهاجرين، والعنف، والأحياء المكتظة تعود لمستويات العالم الثالث، والناخبون الغربيون لا يقبلون بآراء الحزب الاشتراكية الانسانية تجاه مثل هذه القضايا! لهذا فإن الواقع يغدو باستمرارا أكثر تعقيداً وتركيباً ويتطلب إدارات متعددة ومتباينة على مدى مستمر.
احبار الخليج





