ثقب فى جدار السيادة

Gaza-tunnels-1317

 

 

بين تأكيدات على «إحكام السيطرة على الأنفاق الحدودية»، والتشديد على أن «الجنود المخطوفين ما زالوا فى شبه جزيرة سيناء»، تسير تصريحات وآراء المسئولين والمحليين.. وبين مصر وقطاع غزة» مازالت الأنفاق تعمل ومواد البناء تنتقل فى يسر إلى الأراضى المحتلة»، هذا ما رصدته «الشروق» فى جولتها داخل عدد من الأنفاق المنتشرة على طول الحدود فى منطقة رفح.

 

تعمل القوات المسلحة فى المنطقة الحدودية على قدم وساق، فى تمشيط الموقع للتأكد من إغلاق منفذ قد يزيد الأمور تعقيدا، حيث من الوارد أن يلجأ خاطفو الجنود المصريين السبعة إلى تهريبهم، مع اقتراب عملية عسكرية متوقعة لتحريرهم. إلا أن جولة لـ«الشروق»، كشفت عن استمرار عمل عدد كبير من الأنفاق، والتى كانت القوات المسلحة ردمت مداخلها من قبل، إذ يمكن إصلاحها بمنتهى البساطة لتستأنف أعمالها من جديد» حسب ــ محمد عياد ــ أحد أصحاب الأنفاق.

 

وعلى مدى نحو 3 ساعات، استمرت مفاوضات مع بعض أصحاب الأنفاق فى منطقة صلاح الدين، والذين وافقوا فى النهاية على الحديث، واصطحابنا فى جولة داخل الأنفاق «شريطة عدم تصوير أفراد، واقتصار الأمر على التصوير داخل النفق فحسب».

 

البيت السحرى

 

دخلنا من باب أحد البيوت لنخرج من الناحية الأخرى، حيث الأرض المزروعة، ثم ملعب لكرة، القدم ممتلئ بالأطفال.. وحيث يلعب الأطفال، تمر سيارة نقل تحمل «الطوب» لإمراره عبر الأنفاق على بعد نحو 30 مترا فقط من الجدار الذى يفصل بين رفح الفلسطينية، ورفح المصرية.

 

«المخابرات الحربية تعرف الكثير من أصحاب الأنفاق، وأتت إلى هنا بعد عملية خطف الجنود السبعة بنصف ساعة، وأبلغتنا بضرورة غلق الأنفاق وردمها، حتى لا يتم تهريب الجنود إلى غزة»، يقول محمد عياد، مضيفا: «بالفعل بدأنا فى ردم فتحات الأنفاق الخاصة بالأفراد، وأبقينا على البعض الأخر الخاص بالتجارة.. وإن كانت بعض أنفاق التجارة، تصلح لنقل الأفراد».

 

منذ أن أطلقت القوات المسلحة حملتها العسكرية «نسر» من 9  شهور، وهى تنظم حملات أمنية متتابعة على مناطق الأنفاق، وأعلن الجيش منذ ذلك الحين عن تدمير وإغراق مئات الأنفاق، إلا أن أهالى رفح وأصحاب الأنفاق يؤكدون أن هذه الحملات «إعلامية» وأنها لم تسفر فى النهاية عن غلق الأنفاق.

 

«منذ شهر تقريبا أغرقت القوات المسلحة عددا من الأنفاق فى هذه المنطقة، لكننا بعد أسبوع واحد من العملية، استأنفنا العمل، بعد نجاحنا فى إعادة إصلاحه.. لكنهم أوقفوا حالنا لمدة أسبوع، وكلفونا بعض الأموال فى إصلاح أنفاقنا»، قال عياد.

 

وحول ما إذا كان الجيش يعلم بعودة النفق للعمل من جديد، يؤكد عياد: «الجيش يعلم أننا لن نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك، فليس لدينا وظائف أو أعمال.. عليهم أن يوفروا لنا فى البداية أعمالا تساعدنا على العيش، وبعدها يمكن أن نتوقف عن التهريب عبر الأنفاق، فكل نفق يعمل عليه نحو 15 فردا على الأقل، يوفرون لهم ولأسرهم القوت مما يدره من أرباح».

 

على بعد نحو 20 مترا من الجدار الفاصل بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية، تعمل قوات الجيش على دك أحد الأنفاق.. وعلى تبة مرتفعة تطل على الموقع، جلس عدد من أصحاب الأنفاق يراقبون أليات الجيش وهى تدمر أنفاقهم.. حين لاحظونا أثناء تصوير ما يجرى، هبطوا إلينا منزعجين: التقاط الصور لنا يعرضنا للسجن.. لا نريد أن نثير غضب الجيش أو قلقه، ولا نريد أن تتحول المنطقة إلى منطقة عسكرية، فيقطع عيشنا». يقول أحدهم، رافضا ذكر اسمه، وإن أفصح عن هويته: «أنا صاحب نفق».

 

سألناه عن تأثير عمليات هدم الأنفاق: «الأنفاق كما هى.. لم يحدث شىء.. إذا أردت أن تذهب إلى غزة سأذهب بك إلى هناك خلال 5 دقائق لتتأكد بنفسك».

 

ضد الأنفاق

 

تعيش الناشطة السيناوية، منى برهوم على بعد 700 متر فقط من الحدود مع رفح الفلسطينية، وبالرغم من أنها من عائلة البراهمة التى تمتلك عشرات الأنفاق، ويقيم أفرادها فى مصر وفلسطين، إلا أنها تتخذ موقفا رافضا للأنفاق: «بداية الأنفاق ليست من عندنا، ولكنها من قطاع غزة وتتبع حركة حماس، لأنها تمثل للحركة مشروع اقتصادى، وتحصل من خلاله على أموال كثيرة».

 

تضيف برهوم: «منطقة الأنفاق مع رفح الفلسطينية تمتد نحو 9 كيلو مترات، وأعداد الأنفاق تتراوح بين ألف وألفين، وحماس هى الوحيدة القادرة على إحصاء الأنفاق بشكل دقيق».

 

وتؤكد منى برهوم أنه: «لو كان لدى الحكومة إرادة حقيقية، ستغلقها فى ظرف 24 ساعة، لكن ليس لدينا إرادة سياسية حقيقية لغلقها.. مادام أن هناك أنفاقا فليست هناك سيادة على سيناء.. الأمر تحول من كسر حصار، إلى تجارة للسوق السوداء، لأن السلعة تدخل للقطاع وتُباع بسبعة أضعافها».

 

عندما تدخل مدينة رفح المصرية تصلك رسالة على هاتفك «أهلا بك فى شبكة جوال، أنت فى فلسطين» هذه العبارة التى تتسق مع شعور الأهالى بنية الحكومة فى تفريغ هذه المنطقة الحدودية.

 

«أشعر أن هناك نية لتفريغ الشريط الحدودى مع إسرائيل من خلال قطع الخدمات عننا فلا شبكة تليفون محمول ولا مياه ولا مرافق ولا يوجد أمن، فقسم شرطة رفح منذ أيام الثورة عندما تم إحراقه، وحتى الآن لم يتم إعادته للعمل مرة أخرى، وذلك لنمل ونغادر»، قالت برهوم.

 

وأضافت: «مصر تحاول تضييق الخناق على سكان رفح حتى نترك المنطقة الحدودية وهذا مطلب إسرائيلى فى الأساس، أن تصبح رفح منطقة عازلة، وإسرائيل تريد الأنفاق لأنها بالنسبة لها ذريعة لأى شىء».

 

أما إسماعيل عبد القادر فقال: «لا الجيش ولا الشرطة ولا مرسى سيستطيعون أن يحركونا شبرا واحدا من أراضينا».

 

فى إحدى المناطق المشهورة بالأنفاق فى مدينة رفح اصطحبنا بعض الشباب عبر طرق متداخلة بين بعض الزراعات إلى شاب فى بداية الثلاثينيات يدعى طارق خليل فايز، يعلم الجميع فى مدينة رفح قصته: «هرب أيام ثورة 25 يناير من العنبر الذى كان مجاورا للعنبر الذى اعتقل فيه الرئيس محمد مرسى بسجن وادى النطرون، ومحكوم عليه بالمؤبد لاتهامه فى قضية مخدرات، رغم أن أهالى سيناء يعتبرون أنه مظلوم وتم تلفيق القضية له من قبل بعض الضباط، ويريد أن يصل بصوته لرئيس مرسى ليطالبه بإعادة محاكمته». يقول مرافقونا إلى السجين الهارب:

 

ويحكى فايز: «فى 2007 كنت مزارع خضار فى الشرقية وعند عودتى أنا وابن عمى إلى العريش قابلنى رئيس مكتب مكافحة المخدرات عند كوبرى السلام فى الإسماعيلية، وطلب منى بطاقتى، وأظهرتها له ثم قام بتفتيش السيارة وكان معى 30 ألف جنيه، سألنى عن مصدر الأموال فقلت له إن هذه أموال من البنك محولة إلى من أبى وأخى من الإمارات لأنهما يعملان هناك، وإذا أردت أن تتأكد من صحة كلامى فاسأل عنى واذهب معى إلى البنك فرفض، وقال: سآخذك إلى المكتب لنتحرى عن الأموال وهناك طلب منى 15 ألف جنيه ليتركنى، فرفضت وقلت له: هذه أموال زراعتى وتعبان فيها وليس لابن عمى صلة بها، وقام الضابط وبعض أتباعه بتغميتى أنا وابن عمى وأخذوا سيارتى، وأخذونا إلى مكافحة المخدرات».

 

يضيف فايز: «بعد خروج ضابط مكافحة المخدرات من النيابة دخلت على وكيل النيابة ففوجئت بأنه تم وضع أمامه 40 كيلو بانجو، وكمية من الحشيش، و48 تذكرة بودرة، واتهمونى بأنها كانت معى فى السيارة أنا وقريبى، وبعد حبسى بـ3 شهور قام القاضى بالحكم علينا بالمؤبد بعدما علم فقط أننا من شمال سيناء.. كنا عندما نمر على كمين كأننا نمر على جهنم».

 

يضيف فايز بعصبية واضحة «هى رفح دى مصرية ولا إسرائيلية ولا حتى فلسطينية، ليه بيعاملونا معاملة الإسرائيليين، إحنا بشر ومسلمين، حتى داخل السجن كانوا يهينوننا لأننا من شمال سيناء».

 

«نطالب مرسى أن يبحث لنا عن حل، ربنا لن يريحه يوما واحدا ما دام هناك ظلم وما دام هناك أناس مظلومة داخل السجون، أغلب المسجونين مظلومون، نقول لمرسى: الظلم ظلمات يوم القيامة، وابن عمى ما زال مسجونا ومحكوما عليه بالمؤبد لأنه كان فى سجن آخر».

الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى