قدسية العمامة وقدسية الإرهاب!

التوجه الإسلامي المعتدل، وهو توجه الغالبية العظمى لدى كل الشعوب العربية والإسلامية، ينبذ بشكل فطري كل الحراكات والتنظيمات والأحزاب التي عسكرت الدين وقتلت باسم الدين ومارست الإرهاب باسم الدين أيضا، هكذا هو موقف الغالبية العظمى مثلا من تنظيم «القاعدة» وهو كذلك من المليشيات التابعة للفكر الولائي الطائفي التي تمارس الإرهاب اليوم في العراق وفي سوريا وفي البحرين وأينما تكون.
} هؤلاء الذين (دمجوا الدين بالعنف والإرهاب) هم وحدهم للغرابة الذين يطالبون بالقدسية وبالطاعة العمياء من الأتباع وبالحصانة من القانون والمساءلة.
وهم وحدهم وأكثر من غيرهم يمارسون إلى جانب الإرهاب الميداني عبر ميليشياتهم الإرهاب العقدي والفكري والسياسي باعتبارهم (المعصومين) و(الوكلاء) و(الأبواب) للدين مما يستوجب التقديس والانقياد لهم من دون مساءلة، و(الاثنا عشرية) يعتبرون أنفسهم بعد حصولهم على الألقاب من حوزة النجف أو حوزة قم في إيران إلى جانب كل ما سبق أنهم ركن أساسي يتبع ركن الإمامة الذي يتقدم الأركان كلها بحسب قراءتهم لأركان الإسلام والإضافة عليها!
} هكذا ومنذ الانقلاب الخميني على الثورة الإيرانية برزت ظاهرة جديدة في ساحة البلاد العربية والإسلامية ومن بينها البحرين والكويت والسعودية (ربطوا فيها العمامة بالقدسية) واعتبروا أنفسهم بذلك فوق القانون بل فوق كل الشرائع السماوية والوضعية رغم أنهم ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، في الوقت الذي يعرف فيه كل المسلمين أن لا كهنوت في الإسلام ولا قدسية لأحد ولا عصمة إلا لنبي.
وكل الناس تعرف أيضا أن للدول المستقلة الحديثة والمدنية ذات السيادة دساتيرها وقوانينها ومؤسساتها وأعرافها وأحكامها في حقوق وواجبات المواطنة وأن القانون فوق الجميع وأن القدسية المفترضة لأصحاب العمائم، أينما وجدوا تخص أصحابها وحدهم، ولا تمنع الدولة التي هم فيها مواطنون أو مجنسون أو مقيمون، والبحرين مثالا، من محاسبتهم ومعاقبتهم إن خالفوا القانون أو عرّضوا أمن الدولة للخطر أو شجعوا الإرهاب أو حرضوا عليه أو دافعوا عنه أو بالطبع تبنّوا هم بأنفسهم تشكيل الميليشيات العنفية أو التخريبية أو الإرهابية وأشرفوا عليها ودعموها ماديا ومعنويا.
} في البحرين ومنذ الثمانينيات أضفت العمامة قدسيتها على العنف واليوم تحديدا منذ أحداث فبراير 2011 أضفت قدسيتها على الإرهاب وخاصة أنه أصبح منظما وممنهجا وعقديا، لنعرف في القاموس البحريني الجديد أن هناك (إرهابا مقدسا) أسمى نفسه بتسمية مواربة أخرى لتكتسب المشروعية فأصبح (الدفاع المقدس) رغم أنه يمارس ويبتدئ بالهجومات الإرهابية ورجال الأمن هم من يدافعون عن أنفسهم وسط فوضى السلوكيات التخريبية والإرهابية، وهو إذاً إرهاب مقدس وليس دفاعا مقدسا.
هذا الإرهاب الذي أكسبته العمامة في البحرين قدسية ألقابها الكهنوتية هو الذي جعل من إرهابيين أطلقوا الرصاص الحي على رجال الأمن أن يلجأوا إلى المنطقة التي فيها (بيت القداسة) بالطبع! وكان الإجراء القانوني والأمني الطبيعي هو ملاحقتهم حتى لو دخلوا مسجدا من المساجد وليس بيتا من البيوت، يُفترض أنه لمواطن لم يضع أحدا في الدولة على رأسه ريشة، ليتجنبه القانون أو الإجراء الأمني المطلوب.
} الذي حدث أن الفزعة الطائفية الكبرى تنادت فيما بينها في الداخل وفي الخارج لإضفاء ذات القدسية ليس فقط على العمامة أو على عيسى قاسم كما في ظاهر الخطاب وإنما على الإرهاب في البحرين، ليختلط حابل قدسية الألقاب (النجفية والقُمية من قم) مع نابل الإرهاب، فيصبح له القدسية ذاتها وبحسب مجريات تفتيش بيت عيسى قاسم وهي القدسية التي تم تكريسها مسبقا وعبر عقود، من خلال خطاب المظلومية وخطاب المعسكرين وصكوك الجنة ومفاتيحها، وجوازات سفر الجنة الإيرانية حين الاستشهاد (الطائفي)، أي أن القدسية الدينية (المزعومة) تم ربطها منذ البداية بتشكيل الميليشيات وعسكرتها وإضفاء القدسية عليها، عبر الخطابات الأسبوعية المنتظمة والأخرى المناسباتية و(ثارات الحسين)!
ولهذا قامت الفزعة الطائفية التي هي في الظاهر دفاع عن عيسى قاسم والتشديد على احمرار الخط بما يخصه، فيما هي في الحقيقة دفاع عن الإرهاب في البحرين كما قلنا وحماية القائمين عليه من القادة الولائيين والنشطاء الميدانيين، وجميعهم إما أتباع «وكيل» الولي الفقيه الإيراني، وإما خدم وعملاء الحرس الثوري وحزب الله بشكل مباشر.
} كل الدول في العالم تمارس إجراءاتها الأمنية والقانونية بشكل طبيعي ووفق الشرائع والمبادئ والأعراف الدولية، ولا يوجد استثناء في ذلك ولن تكون البحرين استثناء بين الدول، ولن يكون «عيسى قاسم » أو أي معمم غيره (استثناءً طائفيا) بين المواطنين أو المجنسين، ولن يكون القانون البحريني نشازا بين القوانين، في العلاقة مع الإرهاب والإرهابيين، حتى لو وضعوا على رؤوسهم العمامة، أو أرادوا فرض قدسية موهومة أسبغتها عليهم الألقاب الإيرانية طمعا في اكتساب الحصانة.
هذه هي العدالة وهذه هي المساواة، مهما علا الضجيج أو النباح، فالوطن وحده خط أحمر، وبتشديد مائة خط تحته، وجلالة الملك وحده رمز الجميع، أما أبواب الحوزة في نجف أو قم فنعتقد أنها مفتوحة لمن تحصل على قدسيته منها، ويرفض عقلاء هذا الوطن وشعبه المسلم وبشكل قاطع قدسية العمامة ووضعها فوق القانون أو إضفاء تلك القدسية الموهومة على الإرهاب في البحرين، فذلك خارج عن الدين وعن المنطق وعن كل القوانين والأعراف. وعلى الدولة البحرينية اليوم وبإصرار شعبها المخلص أن تثبت ذلك، وأن القانون فوق الجميع، وأن الإسلام الصحيح المعتدل هو دين الدولة والشعب والاحترام للمذاهب وليس بالطبع للإرهاب ومن يُضفي القدسية عليه!
اخبار الخليج





