الرجل المتميز بسلامته!

resize

 

“الجمعيات الأهلية عالم مصغر للواقع الذي نعيش فيه، ليس التمويل الأجنبي أهم قضاياها وأهدافها، ففي مصر ما يزيد عن 30 ألف جمعية – بحسب الاحصاءات الرسمية – كفيلة بتغيير الواقع للأفضل؛ لو قامت بتحقيق دورها! عبر هذه الحكايات نكتشف عالم الجمعيات الأهلية ، ولماذا تنجح جمعية ولا تنجح العشرات غيرها.”

 

قبلما ينفجرغيظا، تطوع أحدهم ليخبره سبب غيابها لليوم الثالث على التوالي، حيث تعاني صدمة عاطفية بعد إعلان خطوبة زميلها في قطاع االشباب على الفتاة الفرنسية التي قابلها في معسكر الشباب الدولي بين مصر وفرنسا. فابتسم الرجل ونظرته تغوص في سنوات بعيدة لا يزال يحمل اثارها وحده، وسريعا ما تساءل : طب وهو وعدها بالجواز؟

اتصل زملاؤها بها، وأخبروها ما وراء تساؤل المدير، فَتعَجبَت أن هو بالذات يتجاهل مشاعرها، ليس فقط كرجل تنمية، بل لأنه أول من لاحظ قصتهما، وتنبأ بارتباطهما، بل وبادرها بالسؤال عن موعد الخطوبة المتوقع؛ مُلمِحا للتفاهم الواضح بينهما، وتواجدهما الدائم معا، مؤكدا إنه “ولد كويس أوي، متميز، ومثقف، ووسيم، وغني”، وعليها أن تحافظ عليه!

حينما عادت، ذهبت إلى مكتب المدير لتعتذرعن الغياب، فتهلل لرؤيتها لكنه لم يعطها أية فرصة للحديث، دافعا إياها لحضور الاجتماع الأسبوعي .. بدون كلمة واحدة. وقد لاحظت أن عينيه لم تبرح عينيها طوال الاجتماع، فتعللت بضرورة اجراء مكالمة تليفونية في مكتبها، وظلت متماسكة حتى دخلت أقرب تواليت، وأطلقت عنان بكائها المكتوم، وعشرات الاسئلة تدور في رأسها: لعله يراني منكسرة؟أو يشعر بتأنيب الضميرنحوي؟أو يراقب سلوكي حينما سيدخل “كريم” الاجتماع بعدعودته من زيارة أهل عروسه في باريس؟

لاحظ المديرأن صداعه القديم عاد إليه وهو يتذكر نظرة عيني”غادة”، في الاجتماع، وقد فقدت بريقهما المعهود، وذكرى حديثه معها حينما نصحها بأن تحافظ على “كريم” لتميزه! وإذا بيده تمتد – كالعادة- لألبوم صوره القديم بمكتب منزله، باحثا عن صورة يعرفها تماما ويحفظ تفاصيلها، لزميلته الجميلة التي تعرف عليها منذ اليوم الذي تركت فيه العمل بالمدرسة الألمانية، لتعمل بالجمعية التي يعمل بها، وقد تعلق بها واتخذ من دروس اللغة الألمانية مجالا لرؤياها ولقائها .. فأحبته، وتوقع الجميع زواجهما! حتى سافر لحضور مؤتمردولي للجمعيات الأهلية ببرلين، وتعرف على فتاة ألمانية، وقد أبهره ذكاؤها ومحاولتها التحدث بالعربية .. فأعجبته اللعبة، واقترح عليها مبادلة تعليم اللغتين! وسريعا ما تولدت الصداقة فالحب، وقد ملأه الفخر لاختيارها له دونا عن جميع الزملاء، واثقا أنه لولا “تميزه” لما تزوجته، تاركة مستقبل عظيم في هندسة الألكترونيات ببلدها، لأجله!

ابتسم في المرآة وهو يتأمل وسامته الذابلة، وقد مضت سنوات كثيرة على تلك الأحداث التي رغب في نسيانها، حتى اضطر لترك الجمعية الأولى، هاربا من ذكرياته وأسراره ! ولا تزال ابتسامة زميلته تطارده، منذ تعافى عليها يوما، وقد أرقه صمتها، وانكسارها المسنود بعزة نفسها، فلم يهدأ إلاحينما واجهها، وقابل عينيها المتسائلتين عن سبب الخيانة، فوجد نفسه يسأله: هو أنا وعدتك بالجواز؟

تمنى أن ينصح”كريم” بألا يهجر إمرأة من بلده أحبته، من أجل انبهارمؤقت بجمال وثقافة امرأة أوروبية! فالرجل يشعر بالحنين كلما كبر لامرأة تفهم مشاعره وتحترم ثقافته! إمرأة تفهم عمق لغته فلا يحتاج لآخرين كي يتمتع بممارستها معهم .. بينما تُخَصَص الزوجة الأجنبية لمهام أخرى! وأن الحب نادرا ما يتغذى بين ثقافتين متباعدتين، وأنه سيأتي اليوم الذي يصطدم فيه الطرفان مثلما حدث معه، حينما أرادت زوجته العودة لبلادها، فمضت وأخذت أبناءه معها ! لكنه لا يستطيع افشاء سره! فليتعلم “كريم” بنفسه – اذن- أن “التميز” شئ آخر!

مبتدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى