كيف صنعت أمريكا من الإخوان حكامًا لمصر؟

واشنطن أخفت التفاصيل الكاملة لهروب مرسى من السجن

 

وزير الدفاع الأمريكى قال عن أعضاء المجلس العسكرى: «فعلوا ما بينا لهم أننا نود منهم أن يفعلوه»

 

مصر تمتلك 198 طائرة مقاتلة عالية الجودة منها 180 طائرة أمريكية الصنع

 

أمريكا علمت باقتحام السجون وتفاصيله الكاملة ورصدوا أن العملية تمت بأسلحة ثقيلة وقنابل ومنصات إطلاق بعد الهروب بساعات

 

بينما كان شباب الثورة مستغرقين فى نضالاتهم ضد الاستبداد، كان شىء يُعد فى الخفاء فى أروقة الإدارة الأمريكية ومختبراتها البحثية لإجهاض الثورة المصرية وتنصيب الإخوان حكامًا على مصر، يضمنوا المصالح الأمريكية فى المنطقة، ويحموا أمن إسرائيل. فى هذه الحلقات نكشف كيف حسم الأمريكيون منذ البداية قرار دعم الإخوان المسلمين للوصول إلى السلطة فى الأيام الأولى للثورة المصرية، وكيف وفرت مختبرات الأبحاث الأمريكية العاملة لدى وكالة الاستخبارات المركزية «CIA» الصيغة المناسبة للإخوان لتأسيس حزبهم، بما يتيح لهم التخلص من وعود تطبيق الشريعة، والتخلى عن معاداة إسرائيل، فى هذه الحلقات نفضح حقيقة الاتصالات الأمريكية مع جماعة الإخوان المسلمين، والضغوط الأمريكية التى مارسها البنتاجون والإدارة الأمريكية على المجلس العسكرى دعمًا للجماعة، وحقيقة تستر الإدارة الأمريكية على تفاصيل هروب مرسى من السجن، وأسرار استدعاء باترسون للسيطرة على مقاليد الأمور فى مصر، ودورها فى حماية نظام مرسى من الاحتجاجات التى اندلعت بعد إصداره الإعلان الدستورى المكمل.

 

من المؤكد أن موقف المجلس العسكرى الذى كان يدير شؤون البلاد وقتها كان مرهونًا بأمور عدة، أولها حجم الخبرة السياسية التى يملكها هؤلاء الجنرالات القادمون من خلفية عسكرية نظامية لم تحتك بالعمل السياسى قط، بل إن الشخص الوحيد الذى ربما كان على احتكاك بالمجتمع الدولى هو اللواء محمد العصار كونه مسؤولا عن صفقات التسليح، وهو الناجى من انقلاب مرسى الأحق على الجنرالات، هو والفريق عبد الفتاح السيسى.

 

إذن فإن أغلب هؤلاء القادة لا يملكون أى خلفية سياسية، ولا يملكون ربما أى قدرات تفاوضية أو سياسية، وهو ما جعلهم منذ اللحظة الأولى فى موقف الضعيف والمضطرب، بل وربما الخائف من عقبات أى قرار يتخذونه.. ولنا هنا أن نشير إلى عامل آخر، ربما زاد هؤلاء القادة ضعفًا على ضعفهم، ألا وهو تسليح الجيش المصرى وصيانة معداته ومسؤولية الأمريكيين عن هذا الأمر بشكل شبه كامل، وهى سياسة كرسها مبارك وربما ورثها هؤلاء الجنرالات بعده، وصار عليهم وقتها أن يتعاملوا مع واقع قائم فرض عليهم أن يكونوا بمثابة الطرف الأضعف، فلا الخيال ولا الوقت أتاح لهم ربما اتخاذ خيارات استراتيجية تمكنهم من قلب موازين القوى فى علاقات التسليح فى فترة وجيزة، ولعل ما أورده تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية لعام 2010، الذى ورد فيه تقدير حول قوة السلاح المصرى وقوامه ومصادره يكشف لك عن فاجعة ما صنعه مبارك بمصر، على أى حال التقرير وعند قراءته بشكل متأنٍ يقودك إلى نتيجة واحدة دون أى مبالغة مفادها أن أغلب التسليح المصرى من الطائرات والمدرعات وأنظمة الدفاع الجوى من الولايات المتحدة، فمثلا من جملة 198 طائرة مقاتلة عالية الجودة تملكها مصر فى هذا العام هناك 180 طائرة أمريكية الصنع، أما الـ2123 دبابة مقاتلة التى تملكها مصر فمنها 1150 دبابة صناعة أمريكية، والباقى صناعة مصرية لدبابة أمريكية التصميم، غير أن القدرة على تطويرها تقتضى موافقة الجانب الأمريكى وفقًا لشروط العقد المبرم بين الجانبين، أن تضع حدودا لتلك العمليات بشكل صارم دون الرجوع إلى الأمريكيين. وهنا كان التهديد الدائم بتوريد السلاح أو صيانته أو تطويره، هذا كارت يشهره الأمريكيون فى وجه الجنرالات الذين كان بعضهم على علم بتمويلات نقلت إلى الإخوان المسلمين لمساعدتهم سياسيًّا فى جولات انتخابية عدة.

 

راقب هنا ما قاله المتحدث باسم البنتاجون فى بريد إلكترونى يوم 2 فبراير2011، أن الأميرال مايك مولن، رئيس رئاسات الأركان المشتركة قد تحدث مرارًا مع نظيره المصرى، وعبّر عن «ثقته فى قدرة القوات المسلحة المصرية على الحفاظ على الأمن الداخلى للبلاد»، وبشكل أكثر تفصيلًا، فقد كان الأميرال واضحًا كل الوضوح، حينما قال «إنى أعلم أن نقود المعونة هى بالتأكيد استثمار على قدر كبير من الأهمية، استثمار مربح تلقينا نظيره، ولوقت جد طويل، خدمات قيمة».

 

إذن كان جنرالات العسكر فى موقع الطرف الأضعف تفاوضيًّا بحكم الخبرة واعتمادات التسليح، ودون الخوض فى تفاصيل طريقة الخطاب الأمريكى غير اللائقة مع الجنرالات، وقد أرشفها أحد الصحفيين الذى كان قريبًا من طنطاوى فى تلك الفترة، تجد أن النصر كان حليفًا للأمريكان فى كل طلب يطلبونه أو يرغمون الجنرالات الكبار عليه. وبذلك كان الأمريكيون وحلفاؤهم الجدد يملكون تحديد مصير وطن بأكمله وفقا لما يتم الاتفاق عليه بينهم،

 

وهنا يتحدث روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكى عن قادة المجلس العسكرى وقتها، قائلا «بصريح العبارة فقد فعلوا جميع ما بينا لهم أننا نود منهم أن يفعلوه».

 

ولعل ما عزز هزيمة الجنرالات التفاوضية فى تلك الفترة هو منطق انهزامى تعاملوا به مع المرحلة، جعلهم ينظرون إلى القوى السياسية الأخرى من غير الإخوان المسلمين والحركات الثورية بمنطق الضعف الذى يحمل كثيرًا من النزق الثورى، وبالتالى كان الجنرالات وفى مسارهم على موعد مع خسارة التيار الثالث مما عزز من مواقف ضعفهم وجعلهم خاضعين لشروط الحليفين (الأمريكان والإخوان)، وظل الجنرالات أسرى لهذا الضعف التفاوضى الذى كان وسيلة ضغط فاعلة أجبرتهم على التراجع عن قرار إغلاق المنظمات الأمريكية ومحاكمة الأمريكيين العاملين فيها، الذين أقلتهم الطائرات الأمريكية عائدة بهم إلى بلادهم فى فضيحة كبرى هزت سمعة المجلس العسكرى، وأجبرتهم لاحقًا على قبول أمور أخرى.

 

على الجانب الآخر فقد ظل الدبلوماسيون الأمريكان حتى هذه اللحظة يحظون باليد العليا فى علاقتهم بالإخوان المسلمين، حتى بعد أن فاز الإخوان فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة بأغلبية كبيرة، فما رصدناه حول احتمالية فرض عقوبات دولية وفقا لإحدى الرسائل التى أوردنا نصها فى أى لحظة بحقهم أن أساؤوا التصرف كان الكارت الآخر فى يد الأمريكيين، لكنه هذه المرة مشهر فى وجه الإخوان المسلمين، فوكالة الاستخبارات المركزية ما زالت خزانتها تحتفظ بوثائق تثبت تورط قيادات التنظيم الدولى الإخوانى فى عمليات إرهابية، وهى تقارير أعدتها الإدارة الأمريكية فى عهد جورج بوش من خلال تحريات جمعت بعد أحداث 11 سبتمبر عن علاقة الإخوان المسلمين بتنظيم القاعدة وحركة حماس على الأقل ماليًّا ولوجيستيًّا، وهو ما تم على أثره التجميد الوقتى لحسابات أحد قيادات الجماعة بقرار صدر من مجلس الأمن والأمم المتحدة منذ أعوام.

 

حقيقة إخفاء الأمريكيين تفاصيل هروب مرسى من السجن:

 

الإدارة الامريكية أيضا وكما تسترت من خلال باترسون على عمليات قتل أجراها الجيش الباكستانى على أراضيه، وكما تسترت على تفاصيل عملية اغتيال بوتو ككارت للتفاوض مع أطراف سياسية أخرى، كانت أيضا أول مؤسسة تملك تفاصيل هامة ودقيقة حول هروب قيادات جماعة الإخوان المسلمين وقيادات حركة حماس من السجن، ووضعت تلك التفاصيل داخل أدراجها بعد أن تداولتها الإدارة الأمريكية داخليًّا فى شهر فبراير 2011 فى وقت لم يلتفت فيه أحد إلى تلك التفاصيل كما صارت مطروحة الآن.

 

المذهل هنا هو التقرير المفصل والوافى الذى أعده محللو المركز العامل مع وكالة الاستبخارات الأمريكية حول عملية الهروب من السجون، التى بموجبها فر قيادات الجماعة من السجون.. التقرير كان كاملًا ومفصلًا بعد عملية الهروب بساعات وجيزة، وذيل «ليس للنشر طبعًا»، وقد أخذ دورته المعتادة من مساحات نقاش وتعليقات المعنيين داخل المختبر خلال ساعات أيضا وجيزة من إرساله، وقد استند معدوه إلى مصادر عدة ومتنوعة من بينها أشخاص، وترجمة دقيقة لكل ما نشر فى وسائل الإعلام، ودراسات علمية من مراجع حول السجون الموجودة فى العالم وتحصيناتها وحراستها. وقد تم تقسيم التقرير إلى أجزاء ثلاثة: جزء خاص بما جرى فى أبو زعبل، وجزء آخر متعلق بتفاصيل ما حدث فى سجن وادى النطرون، وثالث متعلق بتفاصيل ما جرى فى سجن طرة.

 

وإن كانت المعلومات الواردة فى التقرير فى لحظتنا الحالية تعد معتادة إلا أن الصورة التى وجدت عليها بكامل دقتها وتفاصيلها بعد ساعات من إتمام عمليات الهروب لدى الإدارة الأمريكية تعد مصدرًا لأسئلة عدة، وهنا فقط أشار التقرير إلى ملاحظات أساسية كانت محلًا للنقاش بين العاملين فى المختبر، أبرزها:

 

أولا: كفاءة التنظيم الخارجى الذى نفذ عمليات الفرار، وأسئلة حول مدى أهمية هؤلاء الأشخاص من القيادات المحررين التى دفعت إلى تنفيذ عملية على تلك الدرجة العالية من العنف.

 

ثانيا: مستوى التسليح المتنوع والعالى فى عمليات الفرار، الذى الحد الأدنى وفقا للتقرير له هو أسلحة بيضاء، مرورا ببنادق وقنابل غاز انتهاء بمنصات إطلاق وجرافات حطمت أسوار السجون.

 

ثالثا: اللهجة التى كان يتحدث بها منفذو العملية، التى كانت تحديدا محل أسئلة واندهاش متلقى التقرير والمعقبين عليه فى عدد من الرسائل المرسلة والمستقبلة للتعقيب عليه.

 

رابعا: تأكيد أهمية العناصر التى فرت جراء هذ العملية فى التعليقات اللاحقة على التقرير من قيادات الإخوان وحركة حماس.

 

لكن تبقى الملاحظة الأهم على كل ما سبق، التى تتلاقى مع ما حدث فى باكستان كما قلنا، وربما أن إبقاء تلك المعلومات طى الكتمان قبل أن تثار فى وسائل الإعلام كورقة ضغط ومعروفة تدرك قيمته جماعة الإخوان المسلمين فى إطار مفاوضتها مع الأمريكيين، ويجعلها تمتثل للمزيد من الأوامر، فالعملية كاشفة عن علاقة واضحة بين جماعة الإخوان المسلمين وجماعات إرهابية مسلحة وفقًا لتصنيفات دولية تجعل الجماعة فى مصر محلًا للعقوبات فى أى وقت كما فعل معها فى السابق قبل سنوات.

 

أجريت الانتخابات البرلمانية، وفاز الإخوان بأغلبية كبيرة كما قلنا، وأشارت جريدة «الدستور الأصلي» فى عددها الصادر يوم الثانى عشر من مايو 2013 تأكيدات لمعلومات خطيرة سربت عن طريق «ويكليكس» حول الموقف الأمريكى الذى زاد تعزيزه للإخوان المسلمين مع استمرار الاتصالات بين الجانبين، وهنا أشارت الجريدة إلى أنه بعد جلوس قيادى من الإخوان على مقعد رئيس مجلس الشعب المصرى، زارت باترسون مقر جماعة الإخوان المسلمين، فى 19 يناير 2012 فى خطوة هى الأولى منذ إنشاء جماعة الإخوان المسلمين على يد الشيخ حسن البنا عام 1928، وهناك استقبلت بحفاوة بالغة، حسب تعبيرها، وهو ما كان بمنزلة التطبيع العلنى للعلاقات بين الجماعة وواشنطن. زارها بعد ذلك فى 26 يناير القيادى الإخوانى عبد الرحمن البر فى منزلها، وكان موقع الإخوان الناطق بالإنجليزية حريصًا على نشر أخبار بالمضمون الذى تريد الجماعة نقله إلى الغرب، فى حين كانت السفارة تتكتم على تفاصيل ما جرى فيها.

 

وفى الشهور التالية ابتلعت واشنطن لسانها تمامًا تجاه ممارسات الجماعة خصوصًا تهميش الأحزاب العلمانية فى البرلمان، رغم شعار «مشاركة لا مغالبة» الشهير الذى رفعته قبل ذلك، ولم يزعج الولايات المتحدة بعدها نكوص الجماعة عن وعدها بعدم خوض الانتخابات الرئاسية. وكتبت صحيفة «النيويورك تايمز» فى أبريل 2012 تقول إن المسؤولين الأمريكيين الذين كانوا يخشون فى السابق من سيطرة الإخوان على الحياة السياسية، يبدو أنهم الآن يرون فى الجماعة حليفًا لا يمكن الاستغناء عنه، فى مواجهة قوى أخرى مثل السلفيين.

 

وقال مسؤولون بوزارة الخارجية للصحيفة إنهم لا يشعرون بالقلق، بل بالتفاؤل بعد تراجع الإخوان عن وعدهم، وقرارهم بتقديم مرشح للرئاسة. وقال المسؤولون إن مرشح الإخوان للرئاسة آنذاك خيرت الشاطر، صاحب النفوذ الأقوى داخل الجماعة معروف جيدا للدبلوماسيين الأمريكيين، ولدى من يتواصلون معهم داخل الجيش المصرى. والتقى الشاطر تقريبًا بكل المسؤولين بوزارة الخارجية الأمريكية، وتقول «التايمز» إنه على اتصال دائم بالسفيرة باترسون.

 

ثم جاءت انتخابات الرئاسة، واقتربت النتيجة من أن تعلن، لكن قبل ساعات من إعلانها كانت الإشارات لواردة من أعضاء فى لجنة الانتخابات ولو على نطاق ضيق إلى صحفيين وإعلاميين وساسة كاشفة عن أن النتائج تصب لصالح أحمد شفيق، لكن الجماعة هنا ما لبثت مع هذه التسريبات أن اتخذت فعلًا استباقيًّا معلنة فوز مرشحها بالانتخابات، وانطلقت خطابات قادتها تهدد بشكل معلن، وتحذر من الفوضى فى حالة إعلان فوز شفيق.

 

اخبارك

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى