مسألة «حزب الله».. مثالًا للوهم

وقفت حفنة من أصحاب الرأي المصريين، وبعض العرب، ضد إضفاء القداسة الدينية والمكانة السياسية على «حزب الله» لسنوات، وقد كنت واحدًا من هؤلاء.. وواجهت الكثير من الاتهامات التي لم يكن أقلها أن يشير إلى حسن نصر الله نفسه في إحدى خطبه خلال حرب غزة في ٢٠٠٩.. تعليقًا على مقالات كتبتها وتصريحات أدليت بها ضده وضد تدخله في شأن مصر.
ولم تكن هذه الفئة القليلة وحدها، ففي لبنان، كان الذين يعانون من المأساة بشكل مباشر، يواجهون الوهم الذي صنع من أجل حزب الله، بصور مختلفة، أدت إلى أن ضحى بعضهم بحياته، حين غدر بهم الحزب الذي لم يطق أبدا أن يقترب أي أحد من الصورة الذهنية التي روجها عن نفسها.. وروجها حوله من صدقوه قصدا وعمدا أو عن غفلة ونتيجة لرومانسية سياسية مزرية.
كنا نقول إن هذا الحزب ليس إلا ذراعا إيرانية مذهبية، وأداة في الصراع الإقليمي، من أجل فت عضد الدولة اللبنانية، والإساءة إلى الجيوش العربية.. وفي صدارتها الجيش المصري، وأنه ليس مقاوما بقدر ما هو يخوض حربا بالوكالة.. ليس لديه مانع على الإطلاق أن تكون ضد اللبنانيين كما يصوب صواريخه وبنادقه إلى إسرائيل.
وكنا نقول إن الحزب جر لبنان إلى كوارث، ودفع بها إلى حروب، وتحول إلى دولة داخل الدولة، وأنه بخلاف دوره الإيراني يقوم بأدوار عديدة أخرى لتحقيق نفس الأهداف الفارسية.. سواء من خلال تحركه في الفلك السوري أو بتدخله في مسألة غزة.. أو غير ذلك من ملفات في الخليج والعراق ..كنا نقول هذا ودفعنا ثمن الرأي والموقف.
في المقابل، كانت هناك فئة عريضة من الذين سوقوا وهمه الأعظم، واعتبروا أنه حقق صمودا في وجه إسرائيل، ورأوا في اختبائه خلال حرب ٢٠٠٦ تحت الأرض انتصارا بينما لبنان يتم تدميره، وقالوا إنه صاحب انتصار فاق ما قدمه جيش مصر في حرب أكتوبر، وأكدوا إخلاصه للقضية العربية، وتجاهلوا مذهبيته وطائفيته، ووقفوا قبله في مواجهة أي رأي يخالف الصورة الذهنية التي يروجونها عنه.
تضخمت الأسطورة، إلى أن اتضحت الحقيقة في النزاع «السوري- السوري» الذي يدور الآن، حيث قرر حزب الله في لحظة الاختيار الأخيرة أنه لا قيمة لصورته الذهنية، ولحملة الدعاية التي عمل عليها طوال سنوات .. مقابل خيار استراتيجي عليه أن يقوم به، فوقف بكل وضوح لا لبس فيه إلى جانب نظام بشار الأسد وأصبح عنصرا أساسيا في مثلث الحرب ضد الشعب السوري .. إلى جانب إيران وحكم بشار، وكان الحزب أحد أهم الأدوات التي خاضت المعركة في «القصير» ..ضد خليط من الثائرين والمتمردين والمتداخلين وغير السوريين.
إن رصدي لهذا لا يعني أنني أساند ما يعرف باسم «الجيش الحر»، وإذا كنت أقف ضد بشار وجرائمه ودمويته ومذابحه التي لا تقارن، فإنني أرفض كذلك عملية التداخل التي اندفعت إلى أرض سوريا ..وشوهت معارضة شعب لحكم جائر وحولته إلى صراع إقليمي بدلا من أن يظل صراعا داخليا.. وبدلا من أن يكون نداءً للتغيير تحول إلى ساحة إقليمية ودولية للتصفيات على حساب الشعب السوري.
كما أنه لا يعني أني اذكر الجميع بأن نظام حكم الرئيس السابق مبارك قد هوجم لأنه وصف ما يفعله حسن نصر الله بأنه «مغامرات غير محسوبة» ، وخون هذا النظام ايضا لأنه ضبط أعضاء حزب الله وهم يدبرون مؤامرات لمصر.. هؤلاء الذين تم تهريبهم في عمليه معروفه جرت يوم ٢٨ يناير.
ما أقصده هنا بعيد عن كل هذا ، وهو «الوهم» الذي يصر على أن يبيعه لنا فئة من السياسيين والمثقفين العرب، الذين لم يتعظوا ولم يتعلموا، وكانوا هم أحد أهم أدوات الخديعة التي باعت الأكاذيب للرأي العام العربي.. وكانوا هم الوسيلة التي قدمته إلى بقية المتلقين ، والذين حاربوا أي نقد أو وجهة نظر مخالفة.. أكرر عمدًا أو عن غفلة.
انتهت أسطورة «حزب الله» ولكنه بقي كما هو يقوم بدوره الحقيقي والمؤكد منذ تأسس خدمة لمصالح محددة، ولكن هؤلاء الذين ساهموا في صنع وهمه لم يراجعوا أنفسهم ولم يعيدوا تقييم الأمر ولم يعتذروا لمن ضللوهم به.. والتزموا الصمت أو على أقل تقدير تقمصوا دور المصدومين الذين فاجأتهم الحقيقة المرة.. كما لو أنهم خدعوا بدورهم فيه.
هؤلاء أنفسهم هم الذين صنعوا أوهاما كثيرة أخرى، تحت شعارات مختلفة، ولايزالون.. هم الذين قدموا حماس على أنها نموذج للمقاومة لا لتفتيت القضية الفلسطينية والأرض الفلسطينية والصف الفلسطيني.. وهم الذين باعوا لمصر والعالم أن جماعة الإخوان نموذج للاعتدال الإسلامي وأنها تؤمن بالديموقراطية وأنها يمكن أن تكون بديلا مقبولا للحكم إلى أن أصبحت تواجههم هم قبل غيرهم .. وهؤلاء هم الذين باعوا الاندهاش والإعجاب بنموذج رجب طيب أردوغان في تركيا وها هو الآن يواجه معارضيه بكل عنف ويكشف عن وجهه الديكتاتوري المعروف من الأصل .. بائعو الأساطير والضلالات والأوهام الذين يقدمون أنفسهم الآن للجميع على أنهم مصدومون وتم خداعهم.
إن الاكتفاء بإبداء الإحباط ومظاهر الصدمة لا يكفي لكي نغفر لكل هؤلاء خطاياهم وأخطاءهم، وهم يستوون في التقييم مع من رفع السلاح في وجه السوري، ومن فتت بالانقلاب أرض السلطة الفلسطينية، ومن دفع بخصومه إلى السجن في مصر.. هؤلاء لم يعصروا الليمون في انتخابات الرئاسة المصرية وحدها .. بل إنهم باعوا الحصرم على أنه فاكهة، وقدموا للرأي العام السم على أنه ترياق.
إذا كنت مريضا يجب ألا تقدم نفسك طبيبا ..وإذا كانت مخدوعا يجب ألا تدعي أنك بائع الحقيقة.. وإذا كنت مشاركا في الأكاذيب عليك أن تعتذر وتعلن مراجعة نفسك علنا .. لكن هؤلاء لن يفعلوا وربما قاموا بترويج أكاذيب جديدة!
مبتدا





