«دى إس إل» ـ أنا مش الشركة الأم على فكرة

خالد البرى

اشتركت قبل تسعة أيام فقط مع شركة إنترنت، ودفعت ثمن الاشتراك لشهر مقدم، ١٤٥ جنيها مصريا. ثم حصلت على خدمة سيئة للغاية، إلى درجة أنها تحولت إلى سبب اكتئاب صباحى بالنسبة لى. هذه هى الفترة التى أطالع فيها الصحف على الإنترنت ثم أبدأ فى كتابة المقال. المهم، قررت أن أنهى التعاقد معها، بعد أن علمت أن خط الإنترنت الخاص بى -الكابل- به «عيب جسيم»، وبعد أن تلقيت مكالمة من الشركة قال لى فيها الموظف: «اتصل بالسنترال بقى وابقى تابع معاهم». نعم؟! أتصل بالسنترال وأتابع معاهم؟! أومال أنا بدفع فلوس لشركة الإنترنت ليه؟! وليه الشركة ماتختبرش الكابل قبل ما تدينى الخدمة وتاخد فلوسى؟!

الكارثة الثانية أننى لم أحتج إلى أكثر من مكالمة تليفونية لكى أطلب الخدمة، أما حين قررت إنهاءها فقد طلب منى الذهاب إلى أقرب فرع رئيسى لى، ذهبت إلى فرع الهرم، فأرسلونى إلى فرع الدقى، ذهبت إلى فرع الدقى وانتظرت ساعة ونصف، ثم حين حان دورى قالت لى الموظفة إن شركتها (اللى أنا مشترك معاها، وبدفع فيها، ومعلقة إعلانات شركة الإنترنت) لا تقدم «خدمة إنهاء الخدمة»! وأن على أن أذهب إلى فرع الشركة الرئيسى فى شارع مصدق. وطبعا زعقت ورزعت وبعدين مشيت. الشركة بتهيئ لك كل ظروف دفع أموالك، أما عند حقوقك فـ.. ولا بلاش.

فى فرع الشركة الرئيسى، طلب منى الموظف أن أعود يوم ١٨ مارس، لأنى بالفعل دفعت الخدمة حتى يوم ١٩ مارس. فطلبت منه أن يضع الطلب ويستمر فى الخدمة مقابل مستحقاتى المالية حتى ذلك اليوم. فرفض. واضطررت إلى أن أقطع الخدمة بعد ٩ أيام فقط من تشغيلها، وأن أتنازل عن مستحقاتى للعشرين يوما التالية. مش كده وبس. دا فهمنى أنه لن يعطينى «إخلاء طرف» إلا بعد ٢١ يوما من الآن، لماذا؟ إن كنت أنا اللى مداينكم؟! أجابنى بأن هذه هى القواعد التى وضعتها هيئة تنظيم الاتصالات.

وعنده حق، مش ذنبه، إنما ذنب فكر «الإقطاع-الاستثمارى» اللى دولتنا ماشية عليه. فى الدول الرأسمالية المنافسة قيمة مقدسة. حماية حرية المنافسة هى الضمان ضد الاحتكارية. أما فى الدول اللى زى حالاتنا، فالمواطن هو الحلقة الأضعف. انتظار ٢١ يوما حتى الحصول على إخلاء طرف، ثم بدء إجراءات جديدة مع شركة جديدة، يعنى أننى سأفقد خدمة الإنترنت التى أعتمد عليها تماما لمدة شهر ونصف الشهر على الأقل.

هذا غرضه إجبارى على قبول الأمر الواقع وقبول الخدمة السيئة. وهو نفس غرض عدم توفير خدمة الإنهاء بمجرد الإخطار، بالتليفون أو بالمراسلة، أو حتى بالتعاقد مع شركة جديدة وإخطارها برغبتك فى الانتقال إليها، وهى تتولى أى إجراءات لازمة مع الشركة القديمة، أو حتى فى مقرات الشركة التى يدفع فيها المشتركون الفواتير. كما فى أى دولة ذات اقتصاد سوق حر محترم. لكننا كما قال نزار قبانى: خلاصة القضية/ توجز فى عبارة/ لقد لبسنا قشرة الحضارة/ والروح جاهلية.

الفكر الرأسمالى بنى على الإصلاح الدينى البروتستانتى، على تعزيز قيمة الفرد، المواطنة، والمواطن، وإحساسهما بالمسؤولية، وعدم احتياجهما إلى الوصاية. أما هنا فإننا -كعادتنا- نتعاطى أدوية، لا لتشفينا من أمراض، إنما من أجل التمتع بآثارها الجانبية، لكى ننسطل على راحتنا.

طبعا تستطيعين أن تضيفى إلى هذا كل العيوب الأساسية الأخرى: البنية التحتية الرخيصة الصنع، قليلة الكفاءة، غير المصونة بانتظام، رغم الأسعار المبالغ فيها جدا من شركات الاتصالات بوجه عام، التى تفوق الأسعار فى دول مستوى دخل الفرد فيها عشرات أضعاف الحال عندنا (وبالتالى تكلفة الأيدى العاملة عشرات أضعاف عندنا). سأعطيك مثلا بسيطا. حين كنت فى لندن حصلت على آى فون ٤ مجانى، أحدث ما فى السوق وقتها، وعقد مع الشركة لمدة سنتين، يشمل اتصالات غير محدودة لأى شبكة، ودخولا على النت غير محدود، و٦٠٠ رسالة مجانية، لأى شبكة. كل هذا مقابل ما يوازى ٣٠٠ جنيه مصرى فى الشهر. والقيمة أقل لو قارناها بما أدفعه بالإسترلينى (حوالى ٣٤ جنيها إسترلينيا).. أقل من تمن مشوار بالتاكسى مسافة ١٥ كيلو. تخيلى!

لن تتقدم مصر إلا بالحريات والقانون والتنافسية والشفافية. دعائم الرأسمالية فى أى مكان فى العالم. يا من تظنون أن الحريات مجرد كماليات.

 

خالد البرى

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى