اللهم فاشهد! «بريد» 2

ثم جاءت انتخابات الرئاسة بكل أحداثها وتطوراتها ونجح الإخوان فى الوصول إلى مقعد الحكم بمساعدة الآخرين، ولولا مساعدة تيار ليبرالى وتيار السلف الدينى وشباب الثورة لما نجح الدكتور مرسى حينها، كما أن تطورات الأحداث من توقيت حل مجلس الشعب وقرارات محاكمة مبارك قد خدمته تماما، وجعلت كثيرا من العازفين والمستائين من أداء أعضاء مجلس الشعب يذهبون للصناديق لتأييده وبعد وعود لا حصر لها عن مشروع النهضة ونحمل الخير لمصر، وإنهاء الأزمات فى مئة يوم، كل هذه العوامل أدت فى النهاية إلى استحواذ الإخوان على السلطة التنفيذية فكان التخطيط الكامل للاستحواذ على كل السلطات التشريعية الهامة والدستور الأهم، ومنها يتم أيضا الوصول إلى السلطة القضائية بشتى الطرق والوسائل والشعوب تهاب من فى يده السلطة. لم يكن فكر الجماعة ولا حزبها ولا رئيس البلاد متجها لمصلحة وطن ولا للم شتات أمة، ولا لإنجاح مسيرة جماعة وصلت إلى حلم السلطة، بل كان الأهم هو التمكين فى كل مفاصل الدولة وبشتى الطرق، وطالما أن الهجرة لم تكن لله ورسوله وكانت للسيطرة على مقعد حكم ودولة بالكامل، فكان مكر الله والله خير الماكرين. ولم تتعلم الجماعة ومكتب الإرشاد شيئا من حكمة الله فى انهيار نظام الحكم السابق ولا تجربته، فاستبدلت نظاما مستبدا بنظام فاشى لا يرى إلا نفسه ولا يستمع إلا لما يريد، وحين يفعل ما يريد ويجد معارضة لقراره ينفذ القرار ثم يدعو إلى توافق على استحياء، حين يشتد صوت المعارضة حتى تهدأ، وهكذا كان الاعتقاد أن هذا الشعب لا طاقة له ولا إرادة، وأن التيار الإسلامى وحده الأقوى وصوته الأعلى، فتم الاستقواء بكل عناصر هذا التيار بدءا من حزب النور والجماعة الإسلامية وغيرها، وكانت وعود الغرف المغلقة غير العلن. هكذا دارت العجلة وهكذا خططوا بليل وفضحهم الله تعالى فى نهار يوم ثلاثين يونيه بفكرة رائعة، نفذها شباب لا حول لهم ولا قوة، إلا أنهم لن يخسروا شيئا، فلمَ الخوف ولمَ التكاسل، فكانت فكرة «تمرد» أشبه بكرة الثلج التى تتحرك فى كل أنحاء الوطن، حتى وصلنا إلى اليوم الموعود المشهود، وحينها كانت الصورة واضحة جليّة، فغرور الجماعة وبالتالى الرئاسة الخاضعة تماما لمكتب الإرشاد، صور لها أن تستصغر فى عينيها ما كان من حراك وتخطيط من هؤلاء الشباب، كما أن المعارضة الهشة وضعف جبهة الإنقاذ كان عاملا آخر، وكان الغرور بالقوة والأنصار والاستعلاء عن محاولة التصحيح وتقدير حجم المعارضين هو باب السقوط. وكان الخطاب الأخير ولغته تعبيرا كاملا عن ذلك، كما أن محاولة الاستقواء كانت تستند إلى عوامل هى أساس قيام كل دولة، فأى نظام حاكم يقوم على عوامل قوة ثلاثة: جيش يحميه ويدين بالولاء للنظام، وشرطة داخلية تنفذ له بسط نفوذه على الشعب، وتكون يده التى يبطش بها، وجماهير يستقوى بها تؤيده بكل الوسائل دون تردد، ولم يكن هناك شك لدى نظام الحكم فى قوة المؤيدين ولا فى ولاء جهاز الشرطة، وظل الجيش هو الأهم والأخطر، فكانت كل محاولات التودد والتقرب للقائد العام وقادة الأفرع الرئيسية حتى يبدو رأس النظام الرجل القوى الذى يسيطر على الأمور ويحرك الأحداث، وساعده فى ذلك وجود حكومة ضعيفة هشة يرأسها رجل بسيط لا يمكن أن ينفذ غير ما يطلب منه، ولا يستطيع الخروج على رئيسه. وكان لنظام الحكم ما أراد، إلا أن الاستبداد السياسى زاد حجم الغضب فى الصدور لكل معارضى النظام الذى لم يحسن حساب القوى ولم يحسن التعامل، كما أن جميع الوجوه التى خرجت على العامة كانت تزيد احتقان المشهد السياسى أكثر وتثير الغضب والحنق على الجماعة، ومن ينتمى إليها إلا من رحم ربى منهم.. وما زال للبريد بقية.
التحرير






