”الساحة الشعبية” في رمضان

184

 

 

داخل منطقه الفسطاط بمصر القديمة كانت ”الساحه الشعبيه”؛ منطقه تبعد عده شوارع عن مسجد ”عمرو بن العاص”، وكنيسه ”مارجرجس” وتقع علي مساحه مرتفعه عن سطح الارض، يحيط بمدخلها سور اسفله يقع نفق ”الملك الصالح”، وبعض القمامه التي تحترق من حين لاخر؛ فتملا المنطقه بالادخنه الخانقه، وعلي الجهه الاخري من النفق مجموعه اخري من البيوت تتبع ”الساحه الشعبيه”، ولا يفصلها عن نظيرتها الاولي سوي كوبري مشاه حديدي.

وشوش السكان في ”الساحه الشعبيه” لم تختلف ملامحها الطيبه التي اتعبها الفقر عن المناطق الشعبيه الاخري، وان كان حال ”رمضان” هذا العام لا يسر كثيرًا، لكن الامل لم يفارق  كلماتهم.

”بهلول”، احد سكان المنطقه، وقف واضعًا قلم رصاص خلف اذنه منهمكًا في العمل بورشه صغيره  للنجاره؛ قال عن رمضان هذا العام ”السنه دي افضل الحمد لله، رحيل مرسي هو اللي ريح الدنيا بالنسبه ليا اكتر، البلد كانت ماشيه في طريق غير الطريق”، مؤكدًا ان ”بعد مظاهرات 30 يونيو الدنيا هديت شويه والاسعار بقت افضل من السنه اللي فاتت، يعني علي الاقل مبقتش تغلي”.

السياسه لم تبتعد كثيرًا عن كلماته ”احنا عايزين البلد تبقي في ايد امينه بغض النظر مين هيمسكها وحد يكون بيراعي ربنا في الناس”، الاحداث التي تمر بها البلد لم تمنع بعض الجمعيات الخيريه والاهليه من القدوم لتوزيع وجبات الافطار علي اهالي المنطقه، والذي يعتبره كثير من اهالي المنطقه الخير الذي يحمله الشهر الكريم لهم ”الجمعيات قايمه بالواجب هنا بشكل كبير”، تبعًا لكلام ”بهلول”.

اشرف”.. مصاب ثوره مع ”ايقاف التنفيذ”

وعلي السور المرتفع المحيط بالمنطقه والوقت يشير الي الظهيره، جلس ”اشرف”، احد سكان المنطقه، لم يكن علي عجله من امره؛ فهو لا يعمل نظرًا لظروف صحيه المت به، ومن وقتها يعتمد علي ما ياتي به ”اهل الخير”.

”انا اصبت في الثوره يوم 25 يناير، وقعت علي ضهري عند الاذاعه والتليفزيون”.. هكذا تحدث ”اشرف” عن اصابته، التي حدثت نتيجه سقوطه عند محاولته تجنب التدافع والزحام بصعود احد اعمده الكهرباء بجانب مبني ”ماسبيرو” وقت الاشتباك مع الشرطه، مما ادي لحدوث ”شرخ” في فقرات الظهر، وتاثرت عضلات اليد والساق مما جعل رجوعه لعمله القديم شبه مستحيل.

”معاش” هو كل ما يطلبه ”اشرف”؛ فهو بالكاد يستطيع ان ينفق علي ولده ”محمد”، ورغم انه من مصابي الثوره الا انه ” انا مروحتش اخدت التعويض، لاني خفت يفتكروني بلطجي ولا حاجه والشرطه تقبض عليا، مع اني اعرف ناس اخدته والمعاش اللي بجري عليه كل ما اروح حته يبعتوني حته تانيه، واخر مره قالوا لي روح هات شهاده من الجبل الاصفر في حلوان، وانا معيش حق المواصلات في الاماكن البعيده اللي بيبعتوني ليها”.

”رمضان” هو شهر الكرم لكن حال المساعدات هذا العام ليس ككل عام، ولا تكون بالقدر الكافي بعد انتهاء الشهر ”الناس تعبانه، لو محدش لحق الشباب اللي قاعدين من غير شغل دول هيموتوا، المصري لولا انه عنده صبر كان زمانه انفجر من زمان، بس ده ميمنعش انه لو الناس اتسابت كده هتلاقي السرقه والقتل بقوا اكتر”.. هكذا علق ”اشرف” علي احوال البلد.

وبجانب ابيه جلس ”محمد” هادئًا، لا تخرج الكلمات من فمه الا عندما يلح عليه احدهم ليتكلم؛ اعوامه الثلاثه عشر بدت وكانها اقل لصغر جسده؛ عيناه التي ذهبت احداهما نتيجه وجود مياه بيضاء عليها لم يتم تعويضه عنها؛ فالعلاج علي نفقه الدوله لم يكف لاعاده عينه ” اتعمل له اكتر من عمليه وفي عمليه منهم بوظت عينيه التعبانه اكتر”، علي حد قول ابيه.

”محمد” اماله لا تقتصر علي الشفاء، ما يتمناه ابسط من ذلك ”الابله مشتني من المدرسه وانا في رابعه ابتدائي عشان عيني كانت بتوجعني، وكنت بقعد اخر الفصل ومبشوفش حاجه علي السبوره، فكانت بتزعقلي وفي الاخر مشوني من المدرسه”.

العوده لمدرسته هو اكثر ما يتمني ”محمد”، كما ان فقده لاحدي عينيه لم يمنعه من الحلم بان يكبر ليكون طبيبًا يوم ما، اما حلمه الاخير ”عجله العب بيها”، ”اللعب” هو دائمًا الكلمة المعبره عن حال الاطفال، حتي وان كانت احوالهم الصحيه ضعيفه كـ”محمد”؛ فذلك لم يمنعه عن الاستمتاع بالجو الرمضاني ”بصحي العصر من النوم اروح لخالتي شاديه اقعد معاها للفطار، وبعد الفطار بقابل صحابي، ونلعب كوره واستغمايه لحد بليل”.

وعلي الجانب الاخر من الكوبري جلست ”مريم” داخل محل لبيع البقاله والحلوى؛ الاجواء الرمضانيه التي تفضلها طالبه الصف الاول الاعدادي تبدا في الليل وتحديدًا بعد الافطار؛ فالنهار هادئ ”عيال المنطقه بيبقوا نامين، الزحمه بالليل بعد الفطار كل العيال بتلعب لكن الصبح بيبقي عادي”.

الملل صديق ”مريم”؛ حيث لا تجد ما تفعله سوي الجلوس بمحل والدها وتنتظر بعد الافطار لزياده التردد علي الشراء من المحل؛ فهي تفضل الدراسه عن الاجازه التي توافق مجيئها مع شهر رمضان ”الدراسه حلوه اكتر من الاجازه، لانها بتجمعني انا وصحابي نذاكر، بنلاقي حاجه تشغلنا لكن الاجازه عادي”.

”رافت”.. ”مفتش صحه” داخل الساحه الشعبيه

”احنا منطقه شعبيه والناس تعبانه”.. هكذا لخص ”رافت” احوال المنطقه في رمضان، مشيرًا الي ان الاوضاع في هذا الشهر لا تختلف كثيرًا عن باقي شهور السنه.

الاوضاع السياسيه كانت المسيطره علي كلمات ”رافت” الذي يسكن بالمنطقه منذ 40 عامًا، بدءً من قرار نقل المنطقه الي السادس من اكتوبر، والذي لم يكن موفقًا؛ حيث عادت الاهالي الي سكنها مره اخري ”معجبهمش الاحوال هناك المنطقه بعيده”، حسبما قال ”رافت”.

ومرورًا بتاكيده ان احوال المنطقه ”هي هي بالعكس الاوضاع بتسوء”، ورفضه اوضاع البلد الان من عزل ”محمد مرسى” عن السلطه ”مخدش فرصته اساسًا”، لكنه في الوقت ذاته يري انه لم يفعل شيئًا ”للاسف لو كان طبق حاجه من شرع ربنا كانت الناس وقفت جنبه”.

وانهي ”رافت”، مفتش الصحه، الذي يمتلك محل بيع بقاله وحلوي اطفال بعد العمل الرسمي حديثه بان النظام القديم سيعود بجبروت اكثر قبل ايام الثوره، لكنه لم يفقد امله في ان تنصلح الاحوال.

اما ”ام بلال” فلم تتردد في الاجابه بان ”الاحوال واقفه في المنطقه” في رمضان، مشيرهً الي انخفاض اقبال الجمعيات الاهليه لمساعده المنطقه عما كان في السابق بسبب ظروف البلد ”الناس انشغلت”.

”ام بلال” التي لم تكتف بكونها احدي سكان المنطقه التي يغلب عليها بساطه المعيشه، بل حرصت علي التطوع في الجمعيات الاهليه لمساعده المنطقه، تري ان ”اجواء رمضان كانت زمان حلوه جدًا مكنش في انقسام”؛ فاكثر ما يزعج ”ام بلال”  كلمه ”احنا وانتم”، موضحه ان ”كل حد يقول احنا عملنا كذا وانتم شوفوا عملتوا ايه، احنا كلنا مصريين ربنا يسامح اللي تسبب في كده”.

 

مصراوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى