بغداد تتحدى الحظر بتظاهرات تحمل شعار “كلهم حرامية”

أكدت اللجان التنسيقية لتظاهرات يوم غد السبت للمطالبة بإلغاء تقاعد البرلمانيين وكبار المسؤولين أن حراكهم سيكون تحت شعار “كلهم حرامية”، وحذروا من محاولات قوى سياسية إفشال هذه التظاهرات، التي حظرت السلطات خروجها في العاصمة.. فيما طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات إما تقديم سبب مشروع لضرورة حظر المظاهرات غدًا أو السماح لها بالمضي قدمًا، مؤكدة أن عليها أن تضمن لمنظمي المظاهرات قدرة الطعن على أي حظر.
أسامة مهدي: في بغداد رفضت السلطات إعطاء ترخيص لخروج تظاهرات الناشطين في ساحة التحرير وسط العاصمة، في حين أعطت الجهات الأمنية في بقية المحافظات موافقتها على خروج هذه التظاهرات. وقررت قيادة عمليات بغداد اليوم منع سير المركبات التي تحمل لوحات تسجيل مؤقتة يوم غد في بغداد، بحسب الناطق باسم القيادة العميد سعد معن.
وتستعد منظمات المجتمع المدني منذ أيام عدة لهذه التظاهرة، للمطالبة بعدم منح رواتب تقاعدية للنواب، البالغ عددهم 325 برلمانيًا، في كل دورة تستمر أربع سنوات، حيث أكد المنظمون أن التظاهرة ستكون سلمية، لكنهم يتوقعون تدخل قوات الأمن لمنعها.
سلميون ومخلصون
وأكد الناشطون في منظمات المجتمع المدني، الذين يعدون لتنظيم التظاهرات، أنهم سلميون ووطنيون ومخلصون، وأنهم ليسوا ضد الحكومة أو ضد الدستور. وقالوا في توصيات وبيانات إلى المتظاهرين “نحن مدنيون، نطالب بإلغاء تقاعد البرلمانيين فقط، وأيّ شخص يحمل شعار أو يهتف هتافًا يختلف عن شعارنا الوحيد، فهو ليس منا، ولا معنا، ولا يمثلنا.. سنكون خير معين لأخوتنا الأبطال في الأجهزة الأمنية”.
وشددوا بالقول “نحن مع الجيش والشرطة… هم أبناؤنا، وهم المدافعون عن سلامتنا وأمننا. سنكون يدًا بيد معهم ضد الفساد: ضد تقاعد البرلمانيين… سنحافظ على العراق وعلى الممتلكات العامة… سنحترم قواتنا الأمنية.. سنكون يدًا واحدة… لن نسبّ أو نشتم أحدًا فهذه ليست أخلاقنا.. تظاهرتنا تظاهرة أخلاقية واعية… وشعاراتنا مشروعة ومحترمة… لا ننتمي إلى أي حزب أو جهة سياسية… ولا يوجد حزب أو جهة سياسية أو قناة تلفزيونية ناطقة باسم التظاهرة… كل القنوات من حقها أن تغطّي هذا الحدث العظيم، ونتشرف بهم، لكن لا توجد قناة ناطقة باسم التظاهرة.. نحن عراقيون نمثل أنفسنا بأنفسنا”.
أضافوا على صفحتهم “العراق ينتفض” على شبكة التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، التي إطلعت عليها “إيلاف”: “في يوم 31 آب/أغسطس نقول للفاسدين وسرّاق أموال الشعب العراقي: سنحاسبكم. في يوم 31 سنمسح دمعة الفقير. في يوم 31 صرخة أبناء الشعب العراقي ستكون ضد الضالمين… في يوم 31 يتجمع الشعب العراقي على أساس المشترك الوطني”.
وقالوا “ساحة التحرير تجمعنا في يوم 31 آب… في هذا اليوم إعلاء صوت الحق، وانحدار صوت الباطل… في يوم 31 آب…نطلق شرارة الثورة الإصلاحية في العراق… لبيك يا عراق”. وأشاروا إلى أن الهتافات الرئيسة لساحة التحرير في بغداد ستكون كما يلي:
تردون الصدكًـ…. كلهم حرامية
حركَونا حركَـ…. كلهم حرامية
باكَو بيتنة…. كلهم حرامية
ماشفنة نفط… كلهم حرامية
لفطونة لفط… كلهم حرامية
شبعونة فقر… لهم حرامية
بس ضيم وقهر… كلهم حرامية
تمويه وتشويه
وأكدت اللجنة التنسيقية للتظاهرات وجود مؤامرة تحاك ضد المتظاهرين من قبل بعض الجهات السياسية، التي ترفض إلغاء الرواتب التقاعدية، مطالبة القوات الأمنية بتوفير الحماية اللازمة للمتظاهرين، الذين سيخرجون غدًا. وقال عضو اللجان التنسيقية جلال الشحماني إن “إحدى اللجان التنسيقية، والتي تم اختراقها من قبل بعض الجهات السياسية، حاولت تشويه سمعة التظاهر من خلال تغيير مكان التظاهرات”.
أضاف إن “إحدى الحركات برئاسة شمخي جبر حاولت تأجيل التظاهرات أو تغيير مكانها من ساحة التحرير إلى الفردوس، بالتعاون مع بعض الجهات السياسية، التي لا ترغب في إلغاء رواتبها التقاعدية”، مؤكدًا “وجود مؤامرة تحاك ضد اللجان الشعبية والمتظاهرين، لمنعهم من المطالبة بحقوقهم المشروعة التي كفلها الدستور”.
وأوضح الشحماني، في تصريح نقلته قناة “البغدادية”، أن “التظاهرات ستنطلق في الساعة التاسعة صباحًا من ساحة التحرير في العاصمة بغداد”، متوقعًا “إعلان عمليات بغداد حظرًا للتجوال”، ومطالبًا “القوات الأمنية بتفعيل الجهد الاستخباراتي وتوفير الحماية اللازمة للمتظاهرين”. وتابع إن “وزارة الداخلية رفضت إعطاء رخصًا للجان التنسيقية”.
وكانت فروع نقابات المحامين في محافظات العراق قد نظمت أمس تظاهرات واعتصامات أمام مقارها للمطالبة بضرورة تشريع قانون إلغاء امتيازات الرئاسات الثلاث والنواب والدرجات الخاصة، لكونها أموال الشعب العراقي، وللمطالبة كذلك بضرورة مساواة رواتبهم أسوة بباقي الموظفين.
وقد أكدت وزارة الداخلية الاثنين الماضي أن ظروف البلاد العصيبة والتحديات الأمنية تدعو إلى تأجيل التظاهرة، المزمع انطلاقها السبت، مشيرة إلى أن مطالب المتظاهرين وصلت إلى السلطات الثلاث، فيما اعتبرت أن التظاهرات لن تزيد صوت المطالب علوًا ولا تضيف ضغطًاً.
يذكر أن ناشطين مدنيين يحشدون منذ مدة للقيام بتظاهرة احتجاجية السبت على تردي الوضع الأمني في البلاد، وللمطالبة بإلغاء رواتب البرلمانيين وأعضاء مجالس المحافظات والدرجات الخاصة، وذلك على خلفية مطالبات عديدة، سواء من قبل المرجعية الشيعية، أو من قبل ناشطين مدنيين، بإلغاء رواتب البرلمانيين وكبار المسؤولين في الدولة من ذوي المناصب والامتيازات الخاصة على أساس عدم جواز منح رواتب تقاعدية لأشخاص ليسوا موظفين دائمين.
هيومن رايتس: لحرية التظاهر في بغداد
من جهتها شددت منظمة هيومن رايتس ووتش على أنه “على السلطات العراقية إما تقديم سبب مشروع لضرورة حظر المظاهرات المزمعة غدًا أو السماح لها بالمضي قدمًا”، مؤكدة أن “عليها أن تضمن لمنظمي المظاهرات قدرة الطعن على أي حظر”. وأشارت المنظمة في بيان صحافي اليوم إلى أن مجموعتين تقومان بتنظيم مظاهرتين متزامنتين في بغداد تطالبان بإلغاء معاشات تقاعد النواب البرلمانيين قد تقدمتا إلى وزارة الداخلية بطلب تصاريح بتاريخ 21 من الشهر الحالي، كما يشترط القانون العراقي. وفي اليوم التالي رفض مسؤولو وزارة الداخلية إصدار التصاريح من دون إبداء أسباب.
ويتوقع منظمو التظاهرتين مضيهما قدمًا، لكنهم عبّروا لـ “هيومن رايتس ووتش” عن شعورهم بالقلق من لجوء قوات الأمن العراقية إلى استخدام القوة لمنع التظاهرتين، اللتين قالوا إنهما ستكونان سلميتين، وربما من اعتقالات وتخويف المنظمين، إذا تمت المظاهرتان المزمعتان.
وقال جو ستورك، القائم بأعمال المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: “من المفارقة أن يوحي مسؤولون بأن استخدام القوة لمنع مظاهرات سلمية من شأنه مساعدة العراق على (مسيرته نحو الديمقراطية). يمكن للسلطات حظر التظاهرات إذا اعتقدت أنها ستجنح إلى العنف، لكن مبعث القلق هنا على ما يبدو هو أن تثير المظاهرات الحرج أو الإزعاج السياسي”.
وقالت وزارة الداخلية العراقية إن “التحديات الأمنية الجسيمة واكتظاظ شوارع وساحات العاصمة… كلها مقتضيات تدعو إلى تأجيل التظاهرة” المقررة يوم 31 أغسطس/آب. واستشهدت في بيان لها بـ”المخاطر التي قد تترتب عليها، حيث يسعى الإرهاب المتمثل في تنظيمات القاعدة والبعث الصدامي إلى استثمار كل شيء لمصلحته، من أجل زيادة الانقسامات السياسية وإضعاف سلطة الدولة، وحيث تسعى الأجندات الإقليمية إلى توظيف التناقضات الحاصلة في المشهد العراقي لمصلحتها من أجل إضعاف العراق وإشغاله بمشاكله”، وأكد البيان عزم الوزارة “التصدي لكل الظواهر السلبية التي تعترض مسيرته (أي العراق) الديمقراطية”، وشدد على أن قوات الأمن “ستتصدى بحزم للعابثين بأمن الوطن والمواطن”.
حظر التجمعات لا يردع الإرهاب
وأكد ماينا كياي، أول مقرر خاص للأمم المتحدة معني بالحق في حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، في تقريره في أيار (مايو) عام 2012، أنه لا يجوز للدول تقييد الحق في التجمع السلمي إلا حيثما كانت هناك “ضرورة اجتماعية ملحّة”. وشدد التقرير على أن الدول لا تحتاج حظر التجمعات السلمية لكي تكافح الإرهاب بفعالية. وقال إن “التدفق الحر لحركة السير لا يجوز أن يتمتع بأسبقية تلقائية على حرية التجمع السلمي”. يلقي كياي على السلطات بمسؤولية تزويد منظمي التجمعات بـ”أسباب متكاملة ومقدمة في حينها” لأي حظر، وكذلك بإمكانية الطعن السريع عليه.
وتحدثت هيومن رايتس ووتش مع ثلاثة من المنظمين المظاهرتين، واطلعت على طلب التصريح، الذي قدموه إلى شرطة بغداد، فقالوا جميعًا إن المسؤولين في وحدة الشرطة المسؤولة عن الانتشار في وسط بغداد أخبروهم في 22 من الشهر برفض طلب التصريح المقدم منهم، إلا أنهم رفضوا إبداء الأسباب أو تقديم نسخة من أمر الرفض.
وقال أحد منظمي تظاهرة ساحة التحرير لـ “هيومن رايتس ووتش” إن مسؤولي الوزارة طلبوا منه تأكيد عنوان سكنه بعد تقديم الطلب، وهو ما فسره على أنه محاولة لتخويفه. وقال اثنان من منظمي مظاهرة ساحة الفردوس لـ “هيومن رايتس ووتش” إن مسؤولي شرطة وسط بغداد أبلغوهما بأن “مديرًا تنفيذيًا” كتب كلمة “مرفوض” على طلب التصريح المقدم منهما.
في حين قال شخص ثالث من المنظمين إن مسؤولي وحدة الشرطة نفسها أبلغوه بأن عدنان الأسدي، نائب وزير الداخلية، اعترض شخصيًا على الطلب. وأشار حميد جحجيح، وهو عضو في اللجنة التنظيمية لحملة إلغاء الرواتب التقاعدية للبرلمانيين إلى أن منظمي التظاهرة يتوقعون تجمع عدد قد يصل إلى 10 آلاف شخص يوم السبت، رغم رفض وزارة الداخلية إصدار التصاريح.
وقال جحجيح “إننا نملك الحق في التظاهر بحكم الدستور”، لكنه أبدى مخاوف من أن قوات الأمن “قد تجنح إلى العنف معنا”، وتعتقل المنظمين وغيرهم. وشددت هيومن رايتس ووتش على أنه على السلطات العراقية تغيير القوانين الحاكمة للتظاهر في بغداد وغيرها، بحيث تكون التظاهرات مباحة من حيث المبدأ، وبحيث لا يحتاج المنظمون إلا إخطار السلطات بالتظاهرات المزمعة، وليس طلب تصريح. وينبغي أن يقع العبء على السلطات في تبرير حظر أية مظاهرة، مع تمتع المنظمين بالحق الكامل في الطعن.
وقالت المنظمة إنه يبدو رفض التصاريح وكأنه جزء من حملة مستمرة تشنها وزارة الداخلية لتقويض الحق في حرية التجمع وخنق التظاهرات المناهضة للحكومة، حيث قام في 19 من الشهر الماضي ضباط من وحدة المخابرات التابعة للشرطة الاتحادية باعتقال الصحافي جعفر عبد الأمير محمد لقيامه “بالتظاهر من دون تصريح رسمي” حين وقف مع ثلاثة رجال آخرين وقفة سلمية في ساحة التحرير، رافعين لافتات تنتقد الحكومة.
لا للتخويف
وفي الثاني من الشهر الحالي قامت قوات الأمن باحتجاز 13 شخصًا حاولوا التجمع سلميًا للفت الانتباه إلى تدهور الأوضاع الأمنية والفساد الرسمي. فاتهمت الشرطة 10 منهم بـ”عصيان أوامر شرطية”، وهي مخالفة جنائية، لإخفاقهم في الحصول على تصريح مسبق، وقام ضباط عسكريون باحتجاز الثلاثة الآخرين لما يقرب من 36 ساعة قبل الإفراج عنهم من دون توجيه اتهام.
ويلتزم العراق، كدولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بحماية وتعزيز الحقوق في حرية التعبير، وتكوين الجمعيات، والتجمع السلمي. وبحسب العهد، لا يجوز للسلطات تقييد الحق في التجمع إلا في ظروف استثنائية وضيقة التحديد. لا يجوز فرض القيود إلا طبقًا للقانون وحين تكون “ضرورية في مجتمع ديمقراطي” لصيانة “الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام، أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم”.
لكن قيام العراق بمنح المسؤولين الحكوميين سلطة فضفاضة في الموافقة يخرق المعايير الضيقة التي ينص عليها القانون الدولي للانتقاص من الحق في التجمع. كما إنه ينتهك المادة 38 من دستور العراق، التي تكفل الحق في “حرية التجمع والتظاهر السلميين”. وقال جو ستورك: “تبدو السلطات وكأنها أكثر انشغالًا بمنع العراقيين من التعبير السلمي عن آرائهم منها بحمايتهم من الاعتداءات التي قتلت وجرحت الكثيرين هذا العام. وعلى مسؤولي وقوات الأمن أن يحموا المتظاهرين السلميين، وأن يوفروا لهم مساحة آمنة للاحتجاج، لا أن يخيفوا الناس لدفعهم إلى التزام الصمت”.
ايلاف






