عبء مصر !!!!!

14

 

لم تكن مصر يومًا هينة، في كل وقت، وسوف تكون دائمًا، هي عبء تنوء به الجبال.وأهم مواصفات ذلك العبء هو أنها كتلة سكانية مهولة في إقليم بين أقرب وحداته إلى سكانها ما لا يقل عن 50 مليون نسمة.. إذا كان هناك من يستطيع تحمل هذا العبء فليتفضل.. أهلاً بالجميع.
ومن ثم فإنني أندهش تمامًا من أولئك الذين يعتقدون أنه يمكن أن يتم غزو مصر ، أو الهجوم عليها ، نوعًا من العقاب سيكون مصدره القوى الدولية الغاضبة لأن المصريين أزاحوا الإخوان من الحكم وأبعدوا الرئيس المفضل للمصالح الغربية الدكتور محمد مرسي.. الذي يريد أن يواجه كراهية وغضب وثأر 90 مليون نسمة.. فليتفضل ويغزو أو يتدخل. من المؤكد أن هناك عديدًا من الأسباب الأخرى التي تمنع تلك الاقتحامات الخارجية ولكن هذا هو السبب الرئيسي في اعتقادي.. عبء مصر.
مصر قنبلة متفجرة، في الوجه السلبي لهذا العبء .. ليس من السهل احتماله، أو التعامل معه، يجب أن يسعى الجميع لأن يتم تسكينه، ونزع فتيل توتره. ذلك أن الفوضى في مصر أو ما يشابهها لا يمكن إلا أن تؤدي لكوارث إقليمية ، تتطاير شظاياها في وجه القريب والبعيد.
كمثال ، لعل التنظيم الدولي للإخوان قد أدرك الآن ما هي نتيجة عبثه مع هذا العملاق السكاني المهول.. فلو أنه انغمس في مغامرة مماثلة في دولة أخرى وفشل ما كان قد واجه نتيجة إجمالية مؤداها سقوط مشروعه برمته.. في مصر وغيرها من دول العالم، إن عليه بسبب طيشه في مصر أن يبدأ من الصفر .. إن عثر عليه.. أي هذا الصفر!
وليس هذا العبء مجرد عدد ، الملايين تملأ بقاع الأرض ، إنما هو عدد لكل فرد فيه تميزه، من طفل الشارع إلى أستاذ الجامعة، ومن المتسول إلى الحاصل على نوبل.. لا يتساوى الناس بالتأكيد ولكن كل مصري هو «بركان طموح» وشعور قومي ومخزون حضاري ، واعتزاز بالذات لا تخفيه مذلة لقمة عيش يسعى إليها فقير .. ولا تشبعه المكانة التي يمكن أن يحصل عليها عالم كبير. الجميع في داخله ، في مكان ما من ذاته، بين فصوص عقله: «خلية مصرية» لا يمكن إرضاخها ولو صبرت سنوات ، ولا يمكن تطويعها لو استكانت لعقود.
كان محمد مرسي ، ومن معه يعتقدون أنه يمكن تطويع المصريين لعشرات السنين، حيث يمكن للتجريب الإخواني أن يواصل عبثه ..متوهمًا أن أحدًا لن يقاومه، وأن شعبًا لن يلفظه من داخل جوفه خلال عام واحد فقط . كان وجماعته من الحمق بحيث أنه أيقظ «الخلية المصريه» وأبقاها متوهجة في وقت اعتقد أنه يمكن للمصريين احتماله بقدر صبرهم على الاحتلال البريطاني.
إن مصر، بتلك المواصفات، مجتمع عصي، حار التاريخ في وصفه، ولم يستوعب العلماء كنهه، ولم يفك الحكماء طلاسمه، ولم يعرف سره إلا قليلون.. نادرون. بنى أبناؤها الأهرام في صبر، ولم يقبلوا العبودية، ابتدعوا تعدد الأرباب، وكانوا أول من قبل بالتوحيد، رفضوا طيش خورشيد باشا ورضوا بحكم محمد علي أربعين عاما، لفظوا الاحتلال الفرنسي في ثلاث سنوات وتعايشوا مع الاحتلال الإنجليزي سبعة عقود، هتفوا للزعيم في يوم هزيمته، وأطلقوا النكات عليه في اليوم التالي .. متدينون، لكنهم كانوا أول من شتم رئيس الإخوان داخل المسجد.
لم يؤلف «كتاب مصر» بعد ، ذلك الذي توضع فيه الوصفة المتكاملة للتعامل مع هذا الكائن الحضاري الضخم، الذي يتعامل باستخفاف مع احتمالات وقف المعونة العسكرية الأمريكية، وكان قبل أشهر لا يطيق صبرا إذا وقف ساعة في طابور البنزين.. لا يوجد «كتالوج» يفك الطلاسم التي لم يعرف سرها سوى قليل من الحكام.. ولبعض الوقت وليس كل الوقت.. ولكثير من الأسف فقد غادر أغلبهم مقعد حكمه بدون أن يكشف عما عرف من أسرار.
هذا «العبء السكاني» في وجهه الإيجابي له عشرات من المميزات، مقابل القنابل المتفجرة التي يمثلها.. عرف بها مينا، ورمسيس، وقٌطز ، ومحمد علي، وسعد زغلول، وجمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك.. والثلاثة الأخيرون عرفوا لبعض الوقت ، وبموازاة هؤلاء عرف المميزات الإيجابية عقول مثل الإمام الشافعي، والجبرتي، ونجيب محفوظ، وطه حسين، ويحيى حقي، وجمال حمدان.. وندرة قدمتهم مصر وكشفوا عن مصر ولم تعد مصر تقرأ لهم أو عنهم لغرابة الأمر.
تلك المميزات التي تجعل من مصر في لحظة قادرة – دون أن تخطط – على أن تقلب أوضاع إقليم كامل ، وأن تهدم معادلات تم الترتيب لها عالميًا، وأن تكتشف العواصم أن بضعة مئات من الألوف يرقصون في شوارع حول قصر الاتحادية سوف يهزمون استراتيجيات كاملة وُضعت في سنوات ولا يوجد لها بديل جاهز.. ووقف زعماء القوى الكبرى عاجزين عن اتخاذ القرار الذي لابد منه، إذ لا يستوعبون حقيقة ما يجري وليست لديهم أدوات قادرة على ذلك.. كلها أصيبت بعطب اسمه «عبء مصر» ولا تستطيع تشخيصه.
إننا بهذه المواصفات نمثل تحديًا لغيرنا قبل أن نكون مشكلة لأنفسنا، واقع ديموجرافي ومخزون حضاري تضيف إليه الوضعية الجغرافية معاملات خطر لابد أن يساعد العالم في أن يمهد لها الطريق من أجل أن تلملم شئونها وتستعيد استقرارها .. لا أن يتحداها ويستنفر من داخلها عوامل قبول النزال في واحدة من أسخن لحظات المد الوطني المصري بين المصريين.
وبقدر كون هذا التوصيف خارج سياق المعادلات السياسية والاستراتيجية المعتادة، وبقدر كونه لا يتسق مع حسابات عقلانية مطلوب منها أن تضع المقدمات لكي تصل إلى نتائج.. بقدر كونه لا يمثل تحذيرًا أو تهديدًا للآخرين الذين يتعاملون مع «الملف المصري» في أي مكان قريب من مصر أو بعيد عنها. إننا نعترف : نحن مشكلة .. مشكلة حتى لأنفسنا، ويقتضي الأمر أن تتفهمنا لا أن تتحدانا، أن تساعدنا لا أن تتصور أنه يمكن لك أن ترضخنا، أن تقدم يد العون لا أن تشهر سيف التهديد .. إن لم تفعل عليك أن تتحمل نتائج تفجر عبء مصر.
لا يريد هذا الشعب حربًا، ولكنه مستعد في لحظة لأن يهتف مناديًا بها .. وليس مستعدًا لمواجهة، غير أنه مقتنع تمامًا أنه يمتلك رصيًدا يسمح له بالمقامرة..  يعرف حقيقة موازين القوى، لكنه يمكن أن يقنع نفسه بخوض صراع خارج أي حساب.. وفي تاريخه ما يشجعه على هذا .
إن أسهل طريقة للتعامل مع «عبء مصر» هو القبول بحقيقته .. وتلبية متطلباته.. سواء كان من يسعى إلى ذلك من داخله أو من خارجه .. يريد أن يحكمه أو يرغب في مصادقته.
شبكه الاعلام العربيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى