طبول الحرب تقرع في الإعلام!!

4

 

 

 

كثر الكلام وكثرت التكهنات والتحليلات عن حتمية اندلاع معركة كبيرة في منطقة القلمون التي خرجت أجزاء واسعة منها عن سيطرة النظام السوري منذ أكثر من سنة ونصف. معركة يُقال إن حزب الله اللبناني سيكون مشاركا فيها بما لا يقل عن 15000 مقاتل. كلام إعلامي وترويجي لمعركة ستحط برحالها فقط على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، أم معركة قصيّر جديدة على الأبواب؟

ما هي حقيقة الدعم السعودي للحركات الجهادية في سوريا؟

منطقة القلمون منطقة مهمة استراتيجيا للنظام الذي يجهد لتأمين الطريق من وإلى الساحل السوري. وقعت أجزاء كبيرة منها تحت سيطرة المعارضة المسلحة السورية منذ ما يناهز السنة تقريبا، بدءا بالقرى المرتفعة على سفح سلسلة جبال لبنان الشرقية وأولها رنكوس ونزولا حتى الزبداني جنوبا ودوما في ضواحي العاصمة السورية دمشق وقارة والنبك وحتى منطقة صدد على مشارف حمص شمالا.

القلمون ليست تحت سيطرة المعارضة المسلحة بالكامل. فمجموعات المعارضة المسلحة، التي تبدأ بالجيش السوري الحر وتنتهي بالدولة الإسلامية في العراق والشام مرورا بجيش الإسلام الذي خلف لواء الإسلام بقيادة زهران علوش، تبسط سيطرتها على عدد من القرى والبلدات وعلى المرتفعات. إنما ما زالت هنالك قواعد عسكرية ومخازن أسلحة ضخمة ومهمة للجيش السوري النظامي على امتداد المنطقة التي كانت وما تزال تعتبر من أهم المناطق العسكرية على امتداد الأراضي السورية. ذلك منذ أيام  الرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي أولى هذه المنطقة اهتماما خاصة لتماسها مع لبنان ولطبيعتها الجبلية الملائمة لتخزين الأسلحة والذخيرة تحسبا للضربات الجوية في حال نشوب حرب مع إسرائيل.

أبرز فرق الجيش السوري النظامي المتواجدة في القلمون جلها يخدم تحت لواء الفرقة المدرعة الثالثة التي تعد بين أفضل الفرق تدريبا وتجهيزا في المنظومة العسكرية السورية. هذه الفرقة تتألف من عدة ألوية دبابات مجهزة بدبابات ت72 وعربات نقل المشاة المدرعة ب م ب 1 و2 ولواء مشاة مُمكنن وفوج مدفعية وعدة كتائب مقاتلة تتمركز حول عقدة مدينة القطيفة، لتعداد يتراوح بين 6000 و7000 مقاتل، نسبة كبيرة منهم من الجنود المتمرسين ومن المتطوعين. مهمة الفرقة الأساسية كانت ولا تزال تأمين طريق حمص – دمشق. لكنه مع عسكرة المعارضة السورية باتت ثكنات القلمون منطلقا للعمليات العسكرية في ريف دمشق الغربي ومربضا أساسيا لدك المناطق التي وقعت تحت سيطرة المعارضة المسلحة في منطقة الغوطة. ومن القلمون أيضا وتحديدا من اللواء 155 تنطلق صواريخ سكود البالستية نحو الشمال والشرق السوري.

“ما حدث في القصير وما يمكن أن يحدث في القلمون لا أساس منطقي أو عسكري له

مع تمكن المعارضة المسلحة من المرتفعات ومن عدة مفاصل مهمة في المنطقة، تزايدت الهجمات على مراكز الجيش السوري النظامي وحواجزه لتصبح يومية. تمكنا من التواصل مع ضابط مهم من المجلس العسكري المعارض لتبيان رأيه حول ما يشاع عن حتمية وقرب وقوع عملية ضخمة للجيش السوري بمؤازرة حزب الله اللبناني. علما أنه حتى لو فقد النظام مساحات شاسعة في المرتفعات كما سبق وذكرنا، فهو لا يزال يسيطر على الطريق نحو الساحل. يقول لنا هذا الضابط أنه يستبعد “أن يدخل النظام في معركة استرجاع القلمون، وأن المقارنة الإعلامية بين ما حدث في القصير وما يمكن أن يحدث في القلمون لا أساس منطقي أو عسكري له. المنطقة شاسعة ووعرة وقراها متباعدة بينما القصير مجرد قرية، ومع ذلك دامت معركة القصير 33 يوما فما بالك في القلمون ونحن على أبواب الشتاء والثلج”. ثم عن إمكانية تدخل حزب الله اللبناني كما فعل في القصير، يقول لنا هذا الضابط  “هنا أيضا لا مجال للمقارنة، ففي القصير كان حزب الله على ضربة حجر من حاضنته الشعبية مما كان يؤمن له خطوطا خلفية آمنة. بينما إن أراد الحزب أن يدخل معركة القلمون عليه ليس فقط أن يعبر الحدود بل أن يعبر الجبال أيضا التي ستفصله عن بعده الاستراتيجي وتكشف مقاتليه”. ثم يضيف قائلا أنه حتى لو تمكن الحزب من دخول قرية أو قريتين يجب أن لا ننسى أنه سيتوجب عليه تأمين تقدمه وتأمين الإمداد مع تقدمه، وهذا أمر في غاية الصعوبة من الناحية اللوجستية في منطقة صعبة ومترامية الأطراف كالقلمون”.

“الفصائل الجهادية، وعلى رأسها جبهة النصرة، تتبع سياسة تكثيف العمليات الانتحارية وعمليات الكر والفر

أما الكتائب الجهادية الفاعلة في المنطقة فهي جبهة النصرة، المنتشرة على طول المنطقة وفي المرتفعات، الدولة الإسلامية في العراق والشام التي لها تواجد فاعل في عدد من المدن والقرى والكتيبة الخضراء التي بدأت تبرز مؤخرا.

هنا أيضا تمكنا من التواصل مع أحد المصادر المقربة والعاملة مع عدد من هذه الفصائل، حيث أكد لنا ما قاله الضابط المذكور أعلاه من ناحية صعوبة أي عمل عسكري هجومي في المنطقة. إلا أنه قال لنا إن “الفصائل الجهادية، وعلى رأسها جبهة النصرة، تتبع سياسة تكثيف العمليات الانتحارية وعمليات الكر والفر على طول الطريق ما بين دوما في ضاحية دمشق وحتى مدينة صدد شمالا من أجل إعاقة حركة النظام على هذا الشريان الحيوي”. كلام تؤكده العمليات التي ضربت عدة مواقع للنظام على الطريق المذكور، حيث وقعت ثلاث عمليات تفجير انتحاري في النبك وحدها في الأيام الأخيرة. وبحسب مصدرنا انضم مؤخرا إلى هذه الكتائب عدد كبير من مقاتلي لواء الإسلام الذين انسحبوا من الغوطة ومن السليمانية تحديدا، مع ارتفاع احتمال الضربات الغربية ضد النظام مؤخرا. إلا أنه يضيف قائلا إن “أهل القلمون مستاؤون من تواجد لواء الإسلام، كما الفصائل الجهادية التي رأت في هذا الانسحاب غير المبرر خيانة بعد أن عاد الجيش السوري النظامي وتقدم إلى هذه النقاط”. علما أنه سبق وتطرقنا لهذا الانسحاب في حينه. إضافة للواء الإسلام وفد إلى المنطقة المقاتلون الذين فروا من القصير ومن حمص كمغاوير بابا عمرو مثلا.

لذا ودائما بحسب مصدرنا “من الممكن أن يسعى النظام إلى تمكين وتفعيل فرقه المنتشرة على هذا الطريق من خلال محاولته التقدم في محاذاة الطريق غربا لدفع مقاتلي المعارضة نحو الجبال وإنما أيضا كي يبعدهم عن العاصمة، فمع تقدمه في الغوطة وانسحاب عدد من الفصائل تجاه القلمون يخشى النظام أن تتحول المنطقة إلى منطلق جديد نحو دمشق”. علما أن دور القلمون اليوم يقتصر على المؤازرة من ناحية تهريب السلاح عبر الحدود اللبنانية أو من ناحية استقبال الجرحى من العاصمة والأرياف وإيصالهم إلى لبنان

“أية عملية للجيش ولحزب الله في المنطقة ستكون جيدة لنا، لأنها ستكون كفيلة بشد عصب مقاتلينا وبتخليصنا من المتطفلين علينا”

سعينا أيضا للتحدث مع أحد المشرفين على الناشطين الإعلاميين المعارضين من سكان القلمون لتبيان رأيه. يؤكد لنا هذا الإعلامي أن أبناء المنطقة لم يسجلوا حتى الساعة أية تحركات استثنائية في الجهة المقابلة إن كان من ناحية الجيش النظامي أم من الناحية اللبنانية. إلا أنه يقول لنا إن جميع الكتائب والفصائل العاملة في المنطقة تستعد من ناحية تكثيف المراقبة للحدود ولأماكن تمركز الجيش، ثم يبوح لنا أن “عمليات التلغيم قائمة على قدم وساق، احتسابا لأية محاولة اقتحام واستباقا لفصل الشتاء حيث سيصعب التلغيم مع وصول الثلج”. لكنه يضيف قائلا إن”على المستوى الشعبي وعلى مستوى قادة الفصائل الجميع يستبعد عملية عسكرية واسعة النطاق”. ثم إذا به يفاجئنا ويقول إن “أية عملية للجيش ولحزب الله في المنطقة ستكون جيدة لنا، لأنها ستكون كفيلة بشد عصب مقاتلينا وبتخليصنا من المتطفلين علينا والمنتفعين من فوضى السلاح القائمة”. وأضاف أن “النظام أغدق القلمون بالمال لإثارة النعرات بين الفصائل وأن المنطقة أصبحت مرتعا للخاطفين والمهربين على أنواعهم وأن كل ذلك يأتي بضرر كبير على من حملوا السلاح ضد النظام وليس لجمع الأموال”. هو أيضا يظن أنه إن كان هنالك عمل عسكري بمشاركة حزب الله يلوح في الأفق فإن هذا العمل سيقتصر على تأمين الحدود من الناحية اللبنانية، “ربما عبر قطعنا عن عرسال، بالرغم من أن انفتاحنا على ريف حمص وحماة قلل من أهمية عرسال من الناحية العسكرية. أو من خلال قطعه الطريق على من قد يحاول الفرار نحو لبنان إن توغل الجيش السوري في الجبال وهذا أمر مستبعد حتى الساعة لأسباب لوجستية وعملانية بحتة. لأن ثمن ذلك سيكون باهظا على النظام الذي سيرى نفسه مجبرا على إلقاء عدد كبير من الجنود في المنطقة وهو في أمس الحاجة لهم من أجل تأمين محاور العاصمة دمشق واستكمال عملياته في الغوطة”.

“لبنان سيكون في مأزق في جميع الأحوال”

أما من ناحية حزب الله اللبناني فلم يصدر أي كلام رسمي في هذا الموضوع كما كان قد صدر قبيل معركة القصير. ويستشعر بعض الملمون بخفايا السياسة اللبنانية، ربما الحزب يحاول توظيف الترويج لانغماسة جديدة في سوريا من أجل الضغط والحصول على مكاسب في التشكيلة الحكومية المرتقبة أو لتوظيف سياسي محلي بحت. فقصدنا أحد المقربين والملمين بشؤون الحزب اللبناني وبأوساط القيادة السورية في أعلى هرمها. فأكد لنا هذا الأخير كل ما قيل لنا عن صعوبة المعركة وعن عدم صحة المقارنة مع ما جرى في القصير. ثم تطرق إلى الناحية العسكرية للموضوع، فقال إن “أولويات الجيش السوري اليوم تتركز في غوطة دمشق وفي تأمين الطرق المؤدية إلى العاصمة، ما يدفع القيادة السورية إلى تأجيل معركة القلمون. فضلا عن الحاجة إلى إخلاء المنطقة من سكانها الذين يناهزون الـ 200.000، لذا تحاول القيادة السورية أن تصل إلى نوع من تفاهم كالذي كان سائدا قبل دخول الفصائل الجهادية إلى القلمون، أي أن تبقى المعارضة المسلحة في الجبال وأن يبقى الجيش في ثكناته دون أن يتعرض أي طرف للآخر. إلا أن تواجد الفصائل المتشددة التي جاءت من الغوطة ومن غيرها يعقد الأمور”. ثم يضيف “لن يكون من المستغرب أن يتوصل الجيش السوري الحر والنظامي إلى اتفاق يكون به الحر على حياد في المعركة إن حصلت. لكن التحضيرات قائمة للحرب والجيش السوري جهز فرقة مدرعة، أي 15.000 مقاتل لهذه الغاية”.

وعند كلامنا عن مشاركة حزب الله يقول لنا مصدرنا “إن الحزب لا بد وأن يشارك في حال حصول المعركة لأن خبراته غير متوفرة لدى الجيش السوري والأخير في أمس الحاجة إليها في القلمون. ثم يستطرد قائلا “لبنان سيكون في مأزق في جميع الأحوال، إن ربح الجيش السوري لأن ذلك سيؤدي إلى نزوح مقاتلي المعارضة نحو لبنان، وإن لم يهزموا سيسيطرون على الحدود بين البلدين وفي كلا الحالتين التصادم مع حزب الله وبيئته محتم والتبعات على لبنان ستكون وخيمة”.

 

فرانس 24

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى