عيد ميلاده الحادي والستين..

لم يكن البابا الذي يصادف اليوم الذكرى الأولى لاختياره بطركًا وعيد مولده الـ 61، يعلم أنه على موعد مع عدد من المعادلات الصعبة، وأنه سيشهد عامًا مليئًا بالاختبارات، وهو يعتلي كرسي مارمرقس الرسولي.
البابا الذي شهدت سلالم المقر البابوي عدة وقفات احتجاجية ضد عدة قرارات تم اتخاذها بالكنيسة أو لتصريحات بعينها صدرت من أساقفة، كان يعلم أنه أتى بعد الثورة وتغيرت طبيعة المواطن المصري ليثور على كل ما لا يريده، وتقبل ذلك بالصمت أحيانًا ومرة أخرى بالتلويح لهم بأن قراره حاسم ومرة أخرى بالاستجابة بطريقة غير مباشرة لمطالبهم، فحين ثارت الحركات القبطية ونظموا وقفتهم الاحتجاجية لإعلانهم رفض زيارة مرشد جماعة الإخوان المسلمين، تم إعلان تأجيل الزيارة ولم تتم حتى رحيل الإخوان عن السلطة، وعندما تم تنظيم وقفة احتجاجية ضد الأنبا إرميا وما قاله من تصريحات خاصة بالمادة الثالثة للدستور، مر بجانبهم وآثر الصمت وعدم التعليق.
فالبابا الذي أتى بالتزامن مع وصول الإخوان لسدة الحكم، قرر أن يبتعد نهائيًا عن السياسة ما قبل الموجة الثورية الثانية لـ 30 يونيو، وكلما اشتدت الأمور السياسية سوءًا كان يصلي من أجل أن يعطي الحكمة للمسئولين.
لم يعلق البابا على التصريحات السياسية التي تسعى للنيل من الأقباط والتزم الصمت تمامًا، حين قال الإخوان المسلمون إن 80% من المتظاهرين في أحداث الاتحادية من الأقباط.
ظل متحليًا بضبط النفس والحفاظ على الهدوء حتي جاءت أحداث الخصوص والاعتداء على الكاتدرائية المرقسية لتمثل الأمر الجلل في تاريخ الكنيسة، قام البابا بإعلان اعتكافه وقتها ليسير بذلك على خطى البابا شنودة الثالث في استخدام الاعتكاف كوسيلة للاحتجاج الصامت، حيث كانت أشهر المرات التي قام البابا شنودة بذلك هي حين قام عام 1980 بإلغاء الاحتفال بأعياد القيامة والاعتكاف اعتراضًا على الوضع السيئ للأقباط في مصر.
بعد الاعتكاف كاحتجاج صامت على ماحدث، عاد البابا تواضروس من الدير وهو على أعتاب عيد القيامة، لم يشأ أن يزيد الأقباط ألمًا على آلامهم وعاد ليقيم قداس عيد القيامة ويقضي أسبوع الآلام معهم، لم يحضر القداس الرئيس السابق محمد مرسي كعادته– مثلما فعل في عيد الميلاد ومراسم تجليس البابا.
استقبل البابا تواضروس عدم حضور مرسي للقداس وتمثيل حكومته الضعيف بالترفع، ولكن الأقباط أظهروا رد الفعل الغاضب حين ذكر البابا قيام مرسي بتهنئته هاتفيًا فصمت الأقباط في الكنيسة ولم يعلقوا وعلى النقيض ضجت القاعة بالتصفيق الحاد حين ذكر تهنئة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب وكذلك تهنئة الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع.
وقت الدعوات لـ30 يونيو وجمع استمارات تمرد التزم البابا الصمت فهو مازال مصممًا عن الابتعاد عن السياسة ولكن القدر دفعه دفعًا لتصدر المشهد لتقوم الكنيسة بدور وطني وليس سياسيًا وفقًا لتأكيده دائمًا، فحين زارت السفيرة الأمريكية آن باترسون بشكل مفاجئ يوم 17 يونيو بدأت تظهر علامات واتجاهات الكنيسة، فلقد خرجت السفيرة وحدها دون أن يوصلها البابا لباب المقر البابوي وخرجت بصحبة القمص سارافيم السرياني سكرتير البابا لشئون المهجر، ولم تصدر الكنيسة أي بيان بشأن هذه الزيارة وتواردت الأنباء وقتها أن الزيارة من أجل الضغط على البابا لعدم خروج الأقباط يوم 30 يونيو.
لم يصدر البابا أمرًا صريحًا بالمشاركة في الموجة الثورية الثانية 30 يونيو، ولكنه في نفس الوقت أعلن أن الأقباط ليسوا قطيعًا يساق ولهم حرية التظاهر السلمي، وقال في مداخلة هاتفية ليلة 30 يونيو على قناة مارمرقس القبطية: “أنا في الدير أصلي من أجل مصر وأولادنا الموجودون في الشارع يعبرون عن رأيهم للخروج من هذه الأزمة”.. في رسالة طمأنة له للأقباط.
ثم يطل علينا البابا بزيه الأسود المطعم بخيوط الذهب يقف جنبًا إلى جنب مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب والفريق أول عبد الفتاح السيسي يلقي بيانًا بنبرة ثابتة وابتسامة واثقةهادئة مطمئنة عن خارطة الطريق في 3 يوليو الماضي.
بعد إعلان بيان خارطة الطريق وتعليق معظم الأنشطة في الكاتدرائية وغياب البابا عن اجتماعه الأسبوعي.. أثار غياب البابا ووجوده في دير الأنبا بيشوي قلق وترقب الأقباط واضطر ذلك كمال زاخر منسق التيار العلماني لدعوة البابا للعودة للمقر البابوي والجلوس وسط رعيته موجهًا له رسالة تحت عنوان “لا تختفي وقت الضيق”.
البابا الذي رفض مقابلة مرشد الإخوان في بداية اعتلائه كرسي مارمرقس، وحرص على دور الكنيسة الوطني في تاريخ مصر وحرمته الأحداث من لقاء شعبه قرابة الشهرين في العظة الأسبوعية.. هو البابا الذي نظر إلى الأقباط حين ثاروا بابتسامة رضا وهدوء.. يعلم تمامًا ثمن ظهورهم في المشهد، واجه بالصبر كل أحداث العنف التي نالت الأقباط بعد ظهوره في 3 يوليو، فهو البابا الذي اتهمه الإخوان المسلمون بقيادة ما سمى بالانقلاب علي الحكم.. مما أثار الإسلاميين وجعلهم يفرغوا شحنات غضبهم ضد الأقباط، ولم يرجع البابا ذلك لفتنة بين المسلمين والمسيحيين وقال لوفد الكونجرس: كنائسنا ثمن بسيط للديمقراطية وحرية مصر.
ورغم كل أحداث العنف ضد الأقباط وهدم الكنائس وحرقها والتي قدر البابا إعادة بنائها وإصلاحها بتكلفة 190 مليون جنيه، إلا أن الحادث الذي نجح في النيل من ابتسامة البابا الهادئة هو حادث كنيسة الوراق ذلك الفرح الذي تحول لمأتم وودع البابا مريم- تلك الطفلة الصغيرة التي أدمت قلوب الكثيرين- مع من ودع من الضحايا، هكذا بدأ البابا عامه بنعي 51 طفلاً راحوا ضحية حادث قطار أسيوط وأنهاه بنعي الطفلة الصغيرة مريم.
انتظر الأقباط عظته بعد حادث كنيسة الوراق ليعزيهم وليقول لهم ما قد يجبر انكسار روحهم ولكنه اكتفى بتوجيه الشكر في بداية عظته لرئيس الجمهورية عدلي منصور ورئيس الوزراء حازم الببلاوي، ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي وشيخ الأزهر أحمد الطيب، ووزير الداخلية محمد إبراهيم والفريق سامي عنان لتقديمهم العزاء في شهداء حادث كنيسة العذراء.
معلنًا عن صلاته من أجل مصر وموجهًا رسالته للجناة.. إن باب التوبة مازال مفتوحًا مما خيب آمالهم
عام في حياة البابا .. ربما هو الأهم في عمره وعمر مصر.. وكأن القدر ربط بينهما في ذلك العام، ففي معظم أيام حياة البابا في هذا العام كانت الأحداث المصيرية.. عام جاء الإخوان لسدة الحكم ورحلوا ومع إتمام البابا عامه الـ 61 اليوم أيضًا يصبح يومًا مصيريًا حيث يمثل الدكتور محمد مرسي للمحاكمة.
بوابة الاهرام
“واثقون أن براءتهم تصحبهم أمام الرفيق الأعلى” هكذا كان أمسك البابا تواضروس الثاني بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، قلمه لأول مرة بعد اختياره بطركًا ليكتب بيان تعزية يعبر فيه عن ألمه وأسفه لموت 51 طفلاً في الحادث الأليم الذي نتج عن اصطدام “قطار بأتوبيس تلامذة بأسيوط”.




