نَسَّم علينا الهوا!!


3

 

أنا كائن سمعى، لا أزال أستيقظ مبكرا على محطة الأغانى أو البرنامج الموسيقى وفى أثناء الحصول على تلك الجرعة المكثفة التى تحتل فيها فيروز القسط الأكبر، أتصفح بسرعة الجرائد وأحدد الهدف وماذا أقرأ منها ليلا، ثم أكتب العمود الذى تقرؤه بعدها بأربع وعشرين ساعة، فى العادة تداعبنى فكرة أو أكثر، فى الماضى كنت أكتب الفكرة حتى لا أنساها ثم اكتشفت بحكم التجربة أن ما تفكر فيه ليلا وتنساه فى الصباح لا يستحق أن تبكى عليه، ولهذا ما يتبقى فى الذاكرة هو ما أكتب عنه، أما لو هربت كل الأفكار فلا بأس من مطاردة واحدة جديدة تُولد صباحا.

هذه المرة كانت لدىَّ فكرة واحدة راسخة سيطرت على عقلى ووجدانى وهى متابعة الجلسة الأولى لمحاكمة المعزول.

وهكذا وجدتُ تغييرا «جينيًّا» قد طرأ علىَّ وتحولت مع تباشير صباح الأمس من كائن سمعى إلى كائن بصرى أبدأ يومى بالتليفزيون، ومعى الريموت لمتابعة محاكمة محمد مرسى، كل القنوات حرصت على أن تبث إرسالها لحظة بلحظة، ومن العديد من المحافظات لنرى انعكاسات الحدث، نقطة الانطلاق البدلة التى يرتديها مرسى، لا أدرى كيف لم يدرك أن الرسالة التى يبعثها للناس كافة هى أن يلتزم بالقانون ويرتدى البدلة البيضاء، ولكنه مُصرّ على مخاطبة أهله وعشيرته رافضا الالتزام بقرار المحكمة وهى بالطبع تعنى أن يواصل الإخوان رفض كل أشكال الالتزام بقوانين الدولة، لا شك أنه سوف يفعلها يوم 8 يناير ويرتدى البيضاء حتى ولو عنوة، القانون لا يعرف زينب ولا مرسى.

إنها تبدو فى قانون الدراما مقدمة للتمهيد لنقطة الصراع الرئيسية للمحاكمة عن قتل المتظاهرين فى الاتحادية، إلا أن الزمن الدرامى لتلك المقدمة مثل أغلب مسلسلات رمضان زاد على الحد، أشارت الفضائيات إلى حدوث تلاسن داخل وخارج المحكمة وهو متوقع بالطبع، وعلى هذا سوف تمتلئ كل المساحات وكما هى العادة بما يطلقون عليهم فقهاء دستوريين وقانونيين، وفى الحقيقة هذا المسمى يخالف القانون، فلا يوجد شىء اسمه فقيه فى القانون، ولكنه نوع من تحلية البضاعة، مثلما امتلأت الفضائيات قبل بضعة أسابيع مع الإنذار الأمريكى بضرب سوريا بالخبراء الاستراتيجيين العسكريين وكانوا فى العادة لا يقولون شيئا يستحق لقب خبير استراتيجى، تستطيع أن تعتبرها أرزاقًا.

هل نرى مرسى فى التخشيبة بالبدلة البيضاء أم الزرقاء؟ المؤكد أنه سيرتدى الزرقاء فى الجلسة التالية والمؤكد أن الجرائد اليوم نشرت صورا له داخل القفص، ولا أستبعد أن نرى صورته ونستمع إلى صوته خلال تلك الدقائق القليلة فى المحاكمة عبر عدد من الفضائيات، فلم تعد هناك قوة فى العالم تستطيع أن تقهر كاميرا المحمول.

الجلسة ليست مسجلة رسميًّا لاعتبارات تخص الأمن القومى تحسبا لما سوف يقوله مرسى، وسوف تجتهد الصحافة والفضائيات فى الكشف عما جرى، ولكن هل سيظل من حق «الميديا» مواصلة تلك التغطية. الأمر شائك ومن الممكن أن يصدر النائب العام قرارا بحظر النشر، لا أستبعد حدوث ذلك خصوصا أن هناك كاميرا اقتحمت مقر مرسى ونشرت قبل أيام فى الفضائيات حواره على صفحات جريدة «الوطن»، من المفترض أنه كان وقتها فى محبس سرى تابع للمخابرات، ولهذا حتى لو أصدر النائب العام قرارا بالحظر فأنا أتصور أن الإعلام خارج الحدود سيبثّ بين الحين والآخر الوقائع والمداولات، وسوف نجد أن هناك متابعات من الباب الخلفى لن تتمكن الدولة من إيقافها.

فى محاكمة مرسى لن ترى فقط مرسى وأتباعه ولكن البعض سوف يعتبرها فرصة لكى نرى مبارك وأتباعه يطلّون علينا، لا أستطيع أن أتسامح مع مَن منح مشروعية لمناخ الفساد وقدم مفتاح دكان مصر على طبق من فضة إلى ابنه، مثلما لا أستطيع أن أسامح من أراد فى عام واحد أن يمحو هوية مصر الثقافية والفكرية والتاريخية والجغرافية، الاثنان أذنبا فى حق الوطن ولا يمكن المفاضلة بين الموت حرقًا والموت شنقًا.

مصر التى أزاحت مبارك فى 25 يناير وأطاحت بمرسى فى 30 يونيو، ولديها قضاؤها الشامخ سوف تنطلق للمستقبل ويعود الهواء الطبيعى لربوع الوطن، وأعود مرة أخرى كائنا سمعيا أبدأ يومى بصوت فيروز «نَسَّم علينا الهوا»!

 

التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى