“التحرير” تخترق معقل الإخوان «المحروق» بالمقطَّم

آثار الدمار والفوضى تنتشر فى كل مكان.. والمقر أصبح فى قبضة الأشباح
غرفة عاكف تجاور قاعة استقبال الضيوف فى الدور الأرضى.. ومكتب بديع بالطابق الثانى بجانب مقر انعقاد مكتب الإرشاد
بعد شهر من المراقبة تمكنت «التحرير» من دخول المركز العامّ فى مغامرة لكشف أسرار الجماعة
«التحرير» تحصل على أوراق لمواعيد زيارة الغنوشى ووفود حماس وكتيّبات عن العلاقة بين مصر وفلسطين
الأبواب الفولاذية والأسوار العليا تجعل من الدخول إلى مقر الإخوان مهمة مستحيلة
ميليشيات الإخوان احتمت بمكتب محمود حسين لقتل المتظاهرين أمام مكتب الإرشاد
سراديب وسلالم خلفية لتهريب قيادات «الإرشاد» فى حال تعرضهم لهجوم
فى مغامرة لاكتشاف مزيد من الحقائق والأسرار التى ظلت طى الكتمان وحبيسة الجدران منذ 21 مايو 2011، تاريخ افتتاح المركز العامّ لجماعة الإخوان المسلمين بالمقطم، اخترقت «التحرير» معقل الإخوان فى المقطم، المكان الذى كان يشار إليه باعتبار أنه يدير مصر، طوال حكم الرئيس المعزول محمد مرسى.
بحذر وتكتُّم شديدَين تواصلنا مع أفراد تأمين العمارات المحيطة بالمركز العامّ للجماعة، لكن فوجئنا بأن الأمر أصعب مما كنا نعتقد، بخاصة بعدما قامت قيادات الجماعة فى الأشهر الأخيرة من حكم مرسى، بإجراء بعض التعديلات والتحصينات فى المركز، منها استبدال أبواب فولاذية يستحيل اختراقها بالأبواب الخلفية والأمامية.
فرد التأمين المكلف بالمبنى المجاور للمركز العام للإخوان من الجهة الخلفية قال لـ«التحرير»، إن الجماعة قامت بتعلية الأسوار بصورة غريبة على المنطقة، فضلًا عن وضع أبواب حديدية عملاقة على البوابات، ومن ثم فإن الدخول إلى المقر أصبح أمرا مستحيلًا.
لكننا حصلنا على معلومة من شابّ يعمل بمسح السيارات فى العقار الملاصق للمركز، بعدما تأكد من هويتنا الصحفية وبعد أن تَحدَّث كغيره بأن الأمر شديد الصعوبة، أن صاحب العقار، وهو ضابط شرطة، استيقظ مبكرا ذات مرة فوجد 3 شباب وبحوذتهم مسروقات من داخل مقر الجماعة خرجوا من بوابة صغيرة مجاورة للبوابة الرئيسية للمبنى فاطلق أعيرة نارية فى الهواء ممَّا جعل هؤلاء الشباب يتركون المسروقات ويلوذون بالفرار، وتم إدخالها مرة أخرى إلى المبنى.
ورغم شعور الإحباط الذى لازمنا مع تواصل المحاولات الفاشلة، خصوصًا أن اتساع شارع 10 بالمقطم، حيث يقبع مقر الإخوان، كان يعوق حركتنا ويجعلها مكشوفة للجميع، فإن الرغبة فى إتمام المغامرة كان أكبر من أى إحباط. وبالفعل سنحت فرصة مع الساعات الأولى لصباح أحد الأيام. وبعد التأكد من عدم وجود أى حركة فى الشارع، وأن الهدوء يسود المبانى المجاورة لمقر الجماعة، تحركنا بحذر إلى البوابة الصغيرة على أمل أن يصادفنا نفس حظ صاحب القصة التى رواها لنا ماسح السيارات.
اقتربنا من البوابة الصغيرة رويدًا رويدًا وقمنا بدفعها، وفى تلك الأثناء تحرك معنا الجسم الفولاذى لندخل إلى المقر، أو إن تحرينا الدقة قصر الرئاسة الإخوانى.
فى الدور الأرضى للمركز بدت الفوضى فى كل مكان.. ولاحظنا التخلُّص من صور جميع الشخصيات التى حصلت على لقب المرشد العامّ للجماعة التى كانت تزيِّن الجدار على الناحية اليمنى من المدخل. هناك كانت صالة استقبال متوسطة الحجم للضيوف من المحافظات كافة، وعلى اليمين مكاتب محطمة كانت مخصصة لسكرتير الشؤون الإدارية والمستشار الإعلامى، وكانت الأوراق متناثرة فى كل مكان بالإضافة إلى الكتب الخاصة بتاريخ جماعة الإخوان المسلمين والتى تتناول أهم المراحل التى تجاوزتها وقد غطاها الغبار، بينما احتل السواد الحوائط وبدت أجهزة التكييف على الأرضية مطبوعًا عليها «الهباب»، ناهيك بأعداد لا حصر لها من قطع الرخام وأصص الزرع.
على اليسار توجد قاعة استقبال كانت مخصصة لكبار الزوار وكان أول وفد خارجى تم استقباله فيها يضم قيادات من حركة حماس، ولاحظنا عدم وجود أى أثاث فيها، وفى أقصى اليمين يوجد مكتب المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد مهدى عاكف. كان بلا أبواب، جميع النوافذ الزجاجية محطمة، نسمع أصوات زجاجها يتكسر فى كل خطوة نخطوها. داخل أحد الكتب التى عثرنا عليها فى مكتب عاكف وجدنا رسالة من «جمال أبو العزم»، والكتاب يحمل عنوان «مذكرات أخ مسلم من الأربعينات»، وهى موجهة إلى المرشد السابق يقول فيها: «نذكرك وأنت أمام عنبر ضباط القوات البحرية فى السجن الحربى وكنا نتألم لما وقع ضدك من تعذيب».
وهنا تجب الإشارة إلى أن المركز يضم مدخلين، الباب الرئيسى للضيوف أما الباب الخلفى فكان مخصَّصًا لقيادات الجماعة.
شفيق ينتصر على مرسى
الدور الأول مخصَّص لعقد اجتماعات مجلس شورى الجماعة. كما كان يضم قاعة اجتماعات المكاتب الإدارية بالمحافظات، وقد تم إقامة حفل غداء للوفد الفلسطينى داخل هذه القاعة. كان المكان شديد العتمة وآثار الحرائق ظاهرة على الجدران، لم يكن هناك شىء يصلح للاستخدام، حتى لمبات الإنارة محترقة، بينما كان يوجد منطقة مخصصة للمكاتب الإدارية على اليسار، وكان المشهد لا يختلف من حيث الفوضى عن الطابق الأرضى حيث تمتلئ الأرضية بالزجاج بالإضافة إلى انتشار بعض الكتب فى الموقع منها «من يحكم واشنطن وموسكو» و«الفاتيكان والإسلام»، وبعض الكتيبات عن سوريا، بينما يوجد فى نفس الطابق ناحية اليسار الشؤون الإدارية الخاصة بالمركز.
زجاج متناثر.. ومكاتب بلا أدراج.. وكتيبات ومطبوعات أوراق على الأرض.. وكراسى مكسورة.. وطاولة بلا أرجل.. وأجزاء خشبية محترقة… هكذا بدا الحال فى الطابق الأول للمركز العامّ لجماعة الإخوان المسلمين، الذى سيطر عليه السكون والصمت التامّان، كأن هذا المكان أصبح تسكنه الأشباح، منذ اقتحام المقر من قِبَل معارضى المعزول فى 1 يوليو الماضى، فلم يعد يملأ أرجاء المكان سوى صوت القطط، التى أصبحت تسكن أركان المبنى بأكمله، حيث تحول الطابق الأول الذى كان يحوى قاعة اجتماعات مجلس شورى الإخوان وقاعة أخرى للمكاتب الإدارية بالمحافظات، إلى حجرات يسودها الظلام والصمت كأنها باتت أشبه بحجرات «زنازين» انفرادية، بعد أن خيم عليها الظلام والسكون.
الفئران والقطط باتت هى أكثر الزوار الدائمين للمقر، بعد اقتحامه، إذ تجد آثارها ظاهرة على الكتيبات التى يملؤها الغبار الذى يسود أرجاء المكان كافة، وتجدها أكثر حرية وحركة فى المكان، تتحرك بين المكاتب والجدران والنوافذ دون أن يعرقلها أحد، كأن المقر أصبح ملكا لها.
الطابق الأول،كان يحوى أيضا إلى يمين المصعد، مجموعة من الكراسى التى كانت مجهزة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين لتناول الطعام والوجبات التى تُعَدّ للوافدين من المحافظات أو زوار المقر، وتجد ذلك ظاهرًا وجليًّا من وجود آثار وأجزاء من الأطباق على الأرض فى محيط ذلك الجزء. كما كان الطابق يضم سردابا خلفيًّا إلى يمين المصعد يربط بين الطابقَين الأرضى والأول، وكان مخصَّصًا لهرب كبار أعضاء وقيادات جماعة الإخوان المسلمين إذا ما تعرضوا لأى هجوم من ناحية أحد الأبواب، ولكنه كان يشبه فى نفس الوقت سراديب المغارات الخلفية، وبه سلالم تصل إلى الطابق الأرضى وخلفه نافذة تطل على الطابق الأرضى الذى كان يطل على البوابة الرئيسية لمقر مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين من الداخل.
المفاجأت لم تقف عند ذلك الحد، بل قادتنا الصدفة البحتة فى أثناء الجولة إلى العثور على إحدى أوراق نتائج الفرز فى انتخابات الرئاسة الماضية، خلال جولة الإعادة بين الرئيس المعزول محمد محمد مرسى عيسى العياط والمرشح السابق أحمد محمد شفيق زكى، تُظهِر تفوُّق المرشح شفيق بـ1265 صوتًا على مرسى بـ1119 بفارق 146 صوتًا، بمدرسة سوزان مبارك بباسوس بالقناطر الخيرية لجنة رقم 48. وفى أثناء استكمال الجولة داخل الطابق عثرنا على أحد الكتب على الأرض، مكتوبا عليه «المعارضة فى الفكر السياسى لحركة المقاومة الإسلامية حماس»، فى شكل يُظهِر مدى الترابط الحميمى بين الإخوان فى مصر و«حماس» والعلاقة التى تربط الطرفين، ليس ذلك فقط، بل وجدنا عديدًا من الأوراق والمخطوطات والمنشورات والرسائل المتبادلة بين الطرفين تتعلق بمواعيد زيارات وإشادة ببعض الجهود المبذولة، إلى جانب بعض المنشورات التى توضح مدى الرضا فى الشارع المصرى بحكم الرئيس المعزول محمد مرسى، بالإضافة إلى أوراق عديدة عن الدستور الإخوانى «2012» وقراءات تحليليلة فيه من أعضاء الإخوان المسلمين.
فى قلب مكتب المرشد
بعدها قمنا بالصعود إلى الطابق الثانى بواسطة سلم دائرى. فى أثناء ذلك لاحظنا عبارات مكتوبة على الحائط باللغة الإنجليزية، وكان على الأرض كراسى استقبال محطمة وسلات للمهملات. وإلى اليمين كان مكان الاجتماع الذى ينعقد فيه اجتماع مكتب الإرشاد يومَى السبت والأربعاء، ضم مكتبًا عملاقًا معالمه ليست كاملة وبعض الكراسى التى كان يجلس عليها أعضاء مكتب الإرشاد، يتفرع من يساره مكتب الدكتور محمود حسين، وهو المكان الذى يطل على شرفة استخدمها شباب الجماعة لإطلاق النار على المعارضين.
ويضم المكتب دولابًا ثابتًا وآخر متحركًا وبعض القطع البلاستيكية لتعليق الملابس وبعض أوراق التقويم المطبوع عليها شعار «قوتنا فى وحدتنا»، وستائر ملقاة على الأرض، وكانت أفضل غرفة على الإطلاق داخل المركز حيث لم يلتصق السواد بجدرانها لكنها بحاجة إلى الترتيب، وكان يوجد بداخلها أيضا كتب منها «تونس تفتح طريق الحرية». وكان يوجد بالغرفة أيضا سواتر رملية داخل شكائر كان الشباب يحتمى بها وهم يستهدفون المعارضين بالأسلحة النارية. بينما كان عن يمين قاعة اجتماعات مكتب الإرشاد مكتب مغلق وهو يخص كل من الدكتور رشاد بيومى وجمعة أمين، وإلى يسار المدخل توجد حجرة للمهندس خيرت الشاطر ومعه الدكتور محمود عزت، وضمت مكتبين بالإضافة إلى دولاب لكل منهما، وفى كل مكتب بعض الصحف وكروت تعريفية خاصة بهما.
وتحولت قاعة استقبال الضيوف إلى أطلال، إذ تنتشر الفوضى فيها والأتربة كانت تغطى المجلدات. كما عثرنا على بعض المذكرات، منها مذكرات فى كنوز السُّنَّة وأحاديث فى قضايا الاختلاف والوحدة وبعض الكتيبات المطبوع عليها شعار «نحمل الخير لمصر» وكتاب عنوانه «الرئيس مرسى الذى يبنى مصر من جديد». إلى يسار القاعة يوجد مكتب المرشد العامّ لجماعة الإخوان المسلمين الذى يضم غرفتين وحمامًا ملحقًا بهما، وكان اللافت وجود أعداد من جريدة «الحرية والعدالة» على مكتب بديع، وهو ما يؤكد أن قيادات الجماعة كانت لا تنظر إلى المعارضة ولا تقرأ سوى الأقلام التى تعبر عن أفكارها. وكان يوجد على مكتبه أيضا بعض الكروت الخاصة به وكتب منها «المستقبل للإسلام»، و«ميثاق الأسرة فى الإسلام»، و«أضواء على شعار الإسلام هو الحل»، و«مقومات الداعية الربانى»، و«مقدمات جهاد الدعوة وأثرها فى حياة الدعاة، و«خواطر توبوية» للدكتور محمد بديع، و«دراسة فى رسائل الإمام حسن البنا» و«البرنامج الانتخابى لحزب الحرية والعدالة». كان غريبا أيضا أن برنامج الحزب موجود فى جميع مكاتب أعضاء مكتب الإرشاد، بينما فى أقصى يسار الطابق يوجد المكتب الإدارى للمرشد العامّ لكنه بلا معالم أيضا وكان مركزًا لطبع المنشورات الدورية بالمكاتب الإدارية.
كان من أغرب الأشياء التى عثرنا عليها خريطة لفلسطين محدَّد فيها جميع المدن التابعة لها بالإضافة إلى البلاد التى تقع على الحدود معها، كان الأمر يدعو إلى الاستغراب ويفرض تساؤلات لمحاولة تفسير الأمر، فما الذى يجعل مكتب الإرشاد يحتفظ بهذه الخريطة؟ فهى من الأشياء التى تثير الشكوك فى أن الجماعة كانت تسعى لفتح حدود مصر للفلسطينيين وتزيد من صحة الأقاويل التى تشير إلى أن المركز كان مخبِّئًا بعض العناصر من حركة حماس.
محمود حسين.. شاهد على موقعة المقطَّم
«كيف سقط 11 قتيلا من معارضى الرئيس المعزول برصاص الإخوان أمام المقر؟»، كان ذلك السؤال هو أهم ما يشغل بالنا، طوال فترة وجودنا داخل المقر وفى أثناء تفقدنا طوابق المبنى بأكمله لمعرفة كيف قام الإخوان بقتل معارضيهم والمخالفين لهم فى الرأى، وبأى وسيلة من الوسائل. لذلك حاولنا أن نعثر على إجابة جازمة وحاسمة لذلك السؤال، وهو ما توصلنا إليه بالفعل خلال جولتنا بالمبنى، فلاحظنا تهشم وتحطم جميع النوافد الموجودة بالمبنى، وعدم وجود زجاج لكل النوافد لتناثر جميع الأجزاء على الأرض، إلى جانب وجود أسلاك وحواجز حديدية على النوافذ الأمامية للمبنى بخلاف الزجاج ليستطيع الإخوان تصويب الأسلحة من خلفها على المعارضين لهم فى أثناء وجودهم بالأسفل واقتناص أغلبهم.
ولاحظت «التحرير»، وجود عديد من أكياس الرمال، التى كانوا يستخدمونها فى حماية وتأمين أنفسهم والمقر وفى الضرب من خلفها، وكان أغلبها يوجد فى حجرة الأمين العامّ للجماعة محمود حسين، الذى استحوذ على عديد من الأكياس الرملية، لأن غرفته كانت فى الجهة المقابلة للشارع ويقع خلف البوابة الرئيسية مباشرة، وهو ما جعل كل عناصر الإخوان تلجأ إلى تلك السواتر الترابية لقتل المعارضين
المقذوفات النارية والأعيرة ملأت أرجاء المبنى من الداخل فى أثناء الاشتباكات العنيفة بين الإخوان والمعارضين لهم فى أحداث مكتب الإرشاد، التى راح ضحيتها 11ضحية من قِبَل معارضى الرئيس المعزول
الشوم والعصا والأجزاء الحديدية والمعدنية… موجودة بشكل ملحوظ فى الطابق الأول، الذى كان يستخدمه الإخوان لقنص وقتل المعارضين، فى الوقت الذى كان يعتلى فيه آخرون الطوابق الأخرى العالية لمعاونتهم
ممرات الجحيم داخل المقر
الممرات والسراديب داخل المقر، كانت الأكثر حضورا فى المشهد، وهو أمر كان لافتا للنظر، فما أن تصل إلى الطابق الأول حتى تجد بداخله سلّمًا يربطك بالطابق الأرضى، كان يحتجز فيه الإخوان معارضيهم فى ظل احتدام الاشتباكات وكانت تجرى أيضا عمليات اعتداء عليهم من قبل الإخوان وأنصارهم بقيادة أحمد المغير وغيرها من الممارسات، ليس ذلك فقط بل كانت تلك الممرات أشبه بمغارات ومتاهات داخل المقر، الذى كان يشبه القلعة من حيث البناء الداخلى، حيث كان محصّنًا بأعلى الأسوار ومغلقا بأعتى الأبواب الفولازية، ومؤمّنًا بالسواتر الترابية والزجاج المطعم بالأسلاك والحواجز الحديدية التى لم يكن بها أى فراغات سوى مسافات صغيرة للغاية، وكان يتم إطلاق النار من خلفها على المتظاهرين.
البوابة الخلفية للمركز العام لجماعة الإخوان المسلمين مطبوعا على كل شبر فيها شعارات مناهضة للجماعة وصورة الشهيد جابر صلاح الشهير بـ«جيكا» أول شهيد يسقط فى عهد الرئيس المعزول محمد مرسى وكانت تزين الجدران الخلفية وتملأ جدار الحائط بأكمله، ومكتوبا بجوارها «يسقط يسقط حكم المرشد.. يسقط كل من خان.. يسقط كل نظام جبان.. الحرية لكل إنسان والموت لكل قاتل جبان.. يسقط محمد مرسى.. الثورة ستنتصر.. ولا حياة للجبناء.. وهنجيب حقك يا نموت زيهم»، وكأن الصورة والكلمات الملاصقة لها أشبه بتذكرة حقيقية على الفضائح والممارسات الإجرامية التى انتهكها نظام الرئيس المعزول مرسى ومرشده الدكتور محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر وجماعته التى كانت تحاول تضليل الرأى العام طوال فترة حكم مرسى.
تلك البوابة، التى يصل ارتفاعها إلى عدة أمتار ويصعب التسلق عليها نهائيا ولا يوجد بها منفذ يسمح لك بالدخول، تجسد عليها كل معانى الكراهية والغضب ضد النظام الإخوانى، حيث أجبر الإخوان الجميع على كراهيتهم والنفور منهم، وهو ما أدى إلى تولد الخوف لديهم من الجميع، الأمر الذى جعلهم يقيمون أبوابا يصعب اختراقها وأسوار يصعب تسلقها وحصونا يصعب تخطيها.
بينما حينما تنظر إلى البوابة الرئيسية الأمامية لمقر مكتب الإرشاد من الخارج، تجد كل أدوار المبنى محترقة والزجاج متناثرا والأجهزة الكهربائية ساقطة، بعد اختراق المقر من قبل المواطنين والمعارضين لحكم المعزول فى 1 يوليو 2013، وتجد علم مصر مرفوعا أعلى المبنى بدلا من شعار جماعة الإخوان المسلمين، بعدما قام المتظاهرون برفعه لتأكيد سقوط هذا المقر الإخوانى الذى كان يحكم مصر من خلف الستار.
حلم الجماعة الذى تحول إلى كابوس
(أبواب المركز العامّ للجماعة مفتوحة للجميع) عبارة رددها أعضاء مكتب الإرشاد يوم افتتاح المركز فى 21 مايو 2011، لكن بمجرد استحواز الإخوان على جميع المناصب التنفيذية تأكد الشعب أن الإخوان يكذبون كما يتنفسون، وفى أثناء الاحتفال بافتتاج مقر الجماعة بالمقطم قال الدكتور عبد الرحمن البر، عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين، إن افتتاح المركز العامّ لجماعة الإخوان المسلمين يعد بداية لمرحلة جديدة من عمل الجماعة، بعد عهود من الاضطهاد والظلم، متابعا، هذا الجو يضع أمام الجماعة تحديات عليها أن تجتازها وتقدم مشروعها وبرنامجها إلى الشعب، والذى يتركز فى الأساس على مصلحة الأمة والدعوة. كلمات البر عن مشروع الجماعة وبرنامجها بدأ من داخل المركز العامّ لجماعة الإخوان حيث ظل يقدم تعهدات كاذبة.
زيارات لإخوان تونس وفلسطين وتركيا
ما تجده داخل المركز العامّ لجماعة الإخوان المسلمين، يصعب تصديقه أو تخيله، فلم يكن مجرد مركز قاصر على ضم قيادات الإخوان وأعضاء مكتب الإرشاد وأنصار الرئيس المعزول، بل كان بمنزلة «دولة داخل الدولة»، فما أن تتجول داخل المقر حتى تجد الخرائط التفصيلية عن البلدان العربية والكتب النادرة عن جماعة الإخوان المسلمين والهدايا القيمة والسراديب الخلفية والمحولات الكهربائية «المطبوع عليها شعار جماعة الإخوان المسلمين» وأوراق الفرز وكتيبات عن إنجازات الرئيس المعزول محمد مرسى ومنشورات عن كيفية حُكم الدولة، وكأنه أشبه بمقر يحكم الدولة ويدير شؤونها من الداخل. وما أن تواصل الحركة داخل طوابق المبنى حتى تجد قدميك تصطدم بمطبوعات من بلدان عربية أغلبها من تركيا وقطر، مزيلة بإهداءات لقيادات الإخوان فى الصفحات الأولى منها، ليس ذلك فقط بل تجد أيضا أوراقا تعبر عن مدى حميمية العلاقة مع البلدان العربية، وكذلك كتيبات صغيرة، ومواعيد زيارات للوفود التركية والقطرية والفلسطينية إلى المقر، وكتيبات تتعلق بحماس وحميمية العلاقة بين مصر وفلسطين، إلى جانب كروت لأعضاء مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وغيرها من التفاصيل الدقيقة، جميعها كان متناثرا على الأرض ومنتشرا فى كل أرجاء المكان.
لم يكن مقر مكتب الإرشاد مجرد مكان إدارى لإدارة شؤون جماعة الإخوان المسلمين فقط، بل كان يصدر منه كل القرارات التى تخرج إلى «الاتحادية» لتصل إلى المعزول ليقوم بإعلانها على الرأى العام. ففى الوقت الذى كان يستقبل فيه الرئيس المعزول محمد مرسى العديد من الشخصيات والمسؤولين والزوار بقصر الاتحادية خلال فترة توليه الرئاسة، كان المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع يلتقى الوفود الفلسطينية والأمريكية والتركية والقطرية وإخوان التنظيم الدولى والمنظمات الإسلامية فى أغلب بلدان العالم، فكان من أبرز الشخصيات التى التقى بها المرشد العام للجماعة داخل المقر على سبيل المثال، راشد الغنوشى رئيس حزب النهضة الإسلامى الذى استقبله فى 10 يونيو 2012، وإسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية فى 28 يوليو 2012، وكذلك خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحركة حماس وأسامة حمدان أحد قيادات الحركة فى 12 ديسمبر 2012، بالإضافة إلى الزيارة الأولى للسفيرة الأمريكية بالقاهرة آن باترسون فى 18يناير 2012، وكانت هى أول زيارة لمسؤول أمريكى رسمى لمقر الجماعة، إلى جانب الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر فى 12 يناير 2012، ولقاء الشيخ يوسف القرضاوى رئيس الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين فى يناير 2013، إلى جانب لقاء أبو موسى مرزوق نائب رئيس المكتب السياسى لحركة حماس فى 26 سبتمبر 2012، فضلا عن لقاء الصادق المهدى رئيس حزب الأمة السودانى فى 28 نوفمبر 2012، والأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الدكتور صلاح سلطان فى 1 يونيو 2013، كذلك عصام الحداد مساعد الرئيس للشؤون الخارجية، الذى حضر اجتماع مكتب الإرشاد فى 1 سبتمبر 2012 فى واقعة غريبة من نوعها، وكذلك أمين عام الحزب الإسلامى العراقى فى 8 سبتمبر 2012، إلى جانب وفود من إخوان الصومال والهند وروسيا ونيوزيلاندا وتركيا وقطر وكل البلدان.
التحرير






