قصة انتحار وطن

 

214

 

الآن ونحن على مسافة زمنية غير بعيدة من الذكرى الثالثة لقيام ثورة 25 يناير يحق لنا، بل يجب علينا، أن نتوقف برهة ولو لالتقاط الأنفاس والتساؤل عما جنيناه من الثورة؟ رغم اختلاف الاتجاهات والمشارب فقد تكون الإجابة واحدة وهي أننا لم نجن سوى الحصرم! فعلى غرار ما حدث من تفكيك العراق بعد الغزو الأمريكي، تمكنا بمهارة من تحقيق ما وصفه الفريق السيسي بتفكيك مصر بعد الثورة. وإذا كانت المهمة الأولى تمت على يد غاز محتل، فقد تمت لدينا بأيدينا، والمشكلة أننا غير قادرين على إعادة تركيب ما فككناه!

وبمنطق المقارنة نقول إنه للأسف إذا كان العراقيون بعد الغزو واجهوا لحظات تمنوا فيها لو لم يتم القضاء على نظام صدام، فإن قطاعا كبيرا من المصريين يتزايد يوما بعد يوم يتمنى لو أنهم لم تواتهم الشجاعة أو الجرأة ولم يقدموا على فعلتهم التي قد تبدو الآن للبعض شنيعة بالثورة على نظام مبارك والإطاحة به وجرنا إلى متاهة لا نعلم إلى أين تصل بنا؟
ليس في هذه الكلمات أي بكاء على اللبن المسكوب وإنما لحظة تأمل ذاتي لحصاد ما جرى من أحداث كنا جميعا أطرافا فيها بالسلب أو بالإيجاب. لقد أخذتنا غمرة النشوة بعد الثورة فرحنا نقدم عصام شرف باعتباره من الأطهار ولم تمر شهور حتى ثرنا عليه ورحنا نطالب برحيله. رحنا نكتب بأيدينا على الدبابات في الشوارع في غمرة الفرحة بإعلان تنحي مبارك عبارات «الجيش والشعب إيد واحدة».. ولم نتوان عن المطالب بسقوط ما رحنا نصفه بـ «حكم العسكر» ولولا الجنرال «مطر» في هبة نوفمبر العام قبل الماضي إثر أحداث محمد محمود لكان لوضع البلاد شأن آخر حيث كان لعامل المناخ من خلال الأمطار الغزيرة دوره في توقيف المتظاهرين عند حدهم ما أدى لتراجع هذه الدعوة بعد ليلة حاشدة كان إعلان طنطاوي والمجلس العسكري استقالته أمرا محتوما.
حتى الجنزوري الذي رحنا نشهد بخبراته وجرى تلميعه إعلاميا في فترة الثورة الأولى لم نحسن استقباله عندما تم استدعاؤه لرئاسة الوزراء فكان ما كان من عقده اجتماعات المجلس خارج مقره، وترك الرجل المنصب ولم يقدم بصمة إيجابية بفعل ما صادفه من أوضاع لم توفر مناخا جيدا للعمل.
واستمرارا للحلقة الدوارة جاء الإخوان واستقبلنا مرسي في التحرير كما لم يتم استقبال زعيم فاتح من قبل ولم يمر عام إلا وخرجنا في جحافل بشرية لن ينساها التاريخ نطالب برحيله، على أمل الخروج من الدائرة الضيقة التي أدخلتنا فيها دائرة الحكم الإخواني. ولأن الإنسان يحيا على الأمل فقد بنينا قصورا من الرمال على تحويل دفة الثورة نحو تحقيق الأهداف المنشودة «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».
وبعد شهور ثلاثة أو أربعة نكاد أن نعيد الكرة مرة ثانية فالانتقادات لحكومة الببلاوي لم تختلف كثيرا عن تلك التي وجهناها لشرف أو الجنزوري أو حتى قنديل، والأزمات هي هي وعلى رأس عناوينها أزمة البوتجاز، وقد وصل بنا الحال إلى أننا أصبحنا نأكل من المعونات ومن تحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس. ومع هذا الوضع يصبح السؤال المشروع والمتوقع هو: هل العيب في الجالس على كرسي الحكم أم في الشعب؟ ومن الذي يجب أن يرحل: الحاكم أم الشعب؟ وهل تخرج الجماهير يوما تطالب بسقوط نفسها؟
لقد أصبحنا نعيش ما يمكن وصفه بالفشل المزدوج.. للحكم والشعب.. فالجماهير تدرك أو تتصور ولكن بعد فوات الأوان.. أنها لم تحسن الاختيار، والجالس على الحكم يرى أن الجماهير ليست على مستوى الوعي الكافي لإدراك حجم التحديات.. وبين هذا وذاك تستمر منظومة التعثرات في تحقيق أهداف الثورة بشكل يعود بنا للخلف. فلا العيش بمعناه المجرد ممثلا في الخبز المدعم – الرغيف أبو خمسة صاغ – حدث فيه تغير للأحسن، ولا العدالة الاجتماعية تشهد تحركا ولو بطيئا للأمام. وفيما بين هذا وذاك فإن الحرية التي تعد بحق أحد وأبرز مكتسبات ثورة يناير يتم ضربها في مقتل، حتى أن البعض بدأ يتحدث عما يوصف بإعادة إنتاج الدولة القمعية.
حتى الدستور الذي كان مطلبنا مجرد تغيير عدد من مواده دخل نفقا أشد ما يكون الإظلام. كان حمدين صباحي يصر خلال فترة ما بين 25 يناير و11 فبراير على تعديل أربع مواد فيما كان مذيع يستطلع رأيه يؤكد له على أن «ثلاثة كفاية»، ثم جرى تغيير الدستور بشكل كامل خلال حكم مرسي ثم جرى الحديث عن تعديله أو تغييره. هل قرأت أو علمت شيئا شبيها بذلك في سيرة الأمم الأخرى؟ أما الحديث عن دورنا القيادي في المنطقة فقد أصبح ترفا لا يجب مجرد التفكير فيه على الأقل في المرحلة الحالية.
البعض يؤكد، ومعه بعض الحق وليس كله، أننا أشبه بقطار تمكن من المرور من قمة جبلية بيسر وسهولة ولكنه يتعثر بل ويكاد يشهد لحظة سقوطه بأسرع ما يكون. هل تلمس تغيرا للأفضل؟ هل حياتك أصبحت على نحو ما تتمنى بعد ثورة يناير؟
إذا لم تستطع الإجابة فعليك أن تحاول أن تساعدني وتساعد نفسك في الإجابة على السؤال الرئيسي الذي ينبغي أن تتحد جهودنا للتوصل إلى إجابة له وهو: أين الخطأ؟ إذا بدا الأمر أمامك صعبا، فأرجو ألا يصل تشاؤمك مستوى تصور سيناريو أن نخرج جميعا في مظاهرات حاشدة نردد هتاف: اخفض رأسك لأسفل انت مصري!
Mostafa1962@yahoo.com

الوفد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى