اخطر 100 يوم بعد فض “رابعة”

مر الوقت عليهم كأنه لم يمر، فكل منهم لا يزال يتذكره، ربما يراه في كوابيسه أيضًا، يشتاق لمن فقدهم فيه، يتمني لو يستطيع أن يتجول في أرجاء الميدان الذي جمعهم إلا أن جنود خلف أسلحة يقفون حائلاً بينهم وبينه، لا يكادون يتعايشون مع آلمهم، حتى لا تندلع أحداث جديدة ويشيعون أصدقاء جدد فتزداد حدة اشتعال النار بداخلهم، وتصبح عبارة “لا رجوع” أسلوب حياة، ويصبح الحديث عن أي حوار أو مفاوضات “خيانة”، لنجد أن شباب الإخوان بعد 100 يوم من فض اعتصامي رابعة والنهضة ينحدرون سريعًا إلى القطبية والعزلة الشعورية والسخط على مجتمع جاهلي. وعلى الرغم من الظروف النفسية الصعبة التي مرت على شباب الإخوان منذ فض الاعتصام حتى الآن، واستيقاظهم من حلم “النهضة” على كابوس سموه “الانقلاب” والعودة إلى المعتقلات، إلا أنها أتاحت لهم فرصة لعب دور أكبر داخل الجماعة، فبعد القبض على معظم قيادات الإخوان وفرار جزء منهم من مصر وعلى رأسهم محمود حسين، لم يكن هناك خيار آخر غير تولي الشباب تنظيم المسيرات والتظاهرات وابتكار بعض الفعاليات، حتى أصبحت تلك التظاهرات عادة أكثر منها حشد وقدرة تنظيمية. ووصل عدد المليونيات التي دعا إليها التحالف الوطني لدعم الشرعية منذ فض الاعتصام إلى الآن 19 مليونية، حيث خرجت في كل جمعة أعقبت الفض تحت أسماء مختلفة بداية من مليونية الشهيد برمسيس الجمعة 16 أغسطس، والتي أعقبت عملية الفض، وسقط فيها أكثر من مائة شهيد وألفي مصاب، مرورًا بالمليونية التي دعت إليها في ذكرى السادس من أكتوبر بالتحرير والتي أعتدت فيها قوات الأمن على المتظاهرين ما أسفر عن سقوط 55 شهيدًا ومئات المصابين، وبالرغم من تلك الضحايا دعا التحالف إلي مليونية الجمعة 11 أكتوبر للتظاهر في التحرير أيضًا إلا أن التحالف تراجع عن التوجه للميدان بعد تواصل عدد من القوى السياسية مع التحالف واكتفى بالخروج في مسيرات من مناطق مختلفة، فضلاً عن مليونيات محاكمة الدكتور محمد مرسي حيث بدأت بمليونية في الجمعة 2 نوفمبر قبل المحاكمة، وأخرى 4 نوفمبر خلال المحاكمة وثالثة في 4 نوفمبر تحت شعار “صمود الرئيس”. وفي الوقت الذي بدأ الاعتياد فيه على تلك الدعوات سواء من قبل المواطن الذي ينتظر أن تمر مسيرة أسفل منزله كل جمعة ليحيها أو يسبها -حسب توجهه- والشباب الذي اعتاد على السير ساعات كل جمعة بترديد نفس الهتافات وكأنها نزهة نهاية الأسبوع، والحكومة التي اعتادت على التعايش مع عرقلة تلك التظاهرات لعجلة الاقتصاد واستمرارها في الاعتماد على مساعدات دول الخليج، مثلت “جامعة الأزهر” كلمة السر التي حركت المياه الراكدة. ولعب الطلاب بصفة عامة خلال الـ100 يوم الماضية دورًا كبيرًا، بدأ من تحركاتهم المفاجئة التي تنجح في تعطيل حركة المرور أو دخول ميادين كانت محرمة عليهم في المسيرات التقليدية، إلى أن بدأت الدراسة في جامعة الأزهر منذ قرابة الشهر لتضيف وضعًا جديدًا على المشهد، بداية من المظاهرات الضخمة التي تضم الآلاف، ومحاولات دخول ميدان رابعة العدوية، واقتحام المبنى الإداري للجامعة، ودعوات للإضراب ومحاصرة مشيخة الأزهر، ما أسفر عن اقتحام قوات الأمن للجامعة بداية ثم المدينة الجامعية وسقوط شهيد وعدد من المصابين في حالة خطيرة، إلى أن عاد الحرس الجامعي مرة أخرى، وبذلك نجح هؤلاء الطلاب في إجبار السلطة الحالية على استعادة أدوات دولة مبارك القمعية ومحو مكتسبات الثورة. وبعد مرور 100 يوم من فض اعتصام رابعة والتمسك بالمطالب الثلاثة “عودة مرسي – الدستور – مجلس الشورى” من قبل قيادات جماعة الإخوان ومن خلفهم الأحزاب التي تحالفت معهم، وصلنا إلى درجة من التراجع التي جعلت التحالف ذاته يدعو لقوى السياسية للحوار بعدما كان يضع الشروط “التهيئية” قبل بدء أي حوار من خلال الإفراج عن المعتقلين وفتح القنوات الإعلامية المغلقة ووقف حملات التحريض ضدهم، وبالرغم من أن أي من تلك الشروط لم يتحقق فقد خرج التحالف في 16 نوفمبر الماضي ليعلن عن تلك الرؤية، وهو ما اعتبره الشباب تفريط في دماء الشهداء ودعا البعض إلى حله، وهكذا بعد 100 يوم أصبحنا في مشهد معاكس لطبيعة الجماعة يعد فيه الشباب هم العقبة أمام القيادات نحو الانخراط مرة أخرى في العملية السياسية، لنجد أن الشباب يندحرون نحو “القطبية” أكثر من القطبين أنفسهم.
المصريون






