كيف يمكن مواجهة إرهاب إخوان ما بعد «30 يونيو»؟

فى كل المبادرات التى وقف خلفها الإخوان، أو تبناها حلفاؤهم برضا غير مبرر من بعض الأصوات الرسمية، من أجل إقرار تسوية سياسية، تضع حدًا للصراع الدائر حاليًّا بين الجماعة والسلطة، كان المحور الأساسى لها هو الإفراج عن قيادات التنظيم ورؤوسه الكبيرة، والمحبوسة احتياطيًّا حاليًّا، على ذمة اتهامات وقضايا تتعلق بقتل المتظاهرين والتحريض على القتل والفوضى والعنف.
ورغم أن سقف المطالب الإخوانية، بالإفراج عن قيادات رهن التحقيق، يضرب دولة القانون فى مقتل، بينما يتجاوز أيضا واقع ما بعد 30 يونيو، بل وينطوى على حالة إنكار مفجعة بالمطالبة بعودة محمد مرسى إلى الحكم، ودستور 2012 المعطل، ومجلس الشورى المنحل، فإن جميع تلك المطالب تبدو فى الأخير، من باب تعظيم أوراق الضغط فقط على طاولة مفاوضات.
حتى الدعوة المرتبكة التى طرحها مؤخرًا المفاوض الإخوانى، الدكتور محمد على بشر، لما أسماه الحوار الوطنى مع القوى السياسية لوضع تصور يُخرج مصر من أزمتها السياسية، كانت قد تجاهلت فى البداية أى حديث عن عودة المعزول أو الدستور الإخوانى الفاشى أو المجالس النيابية المنحلة بعد 25 يناير. ثم سرعان ما عاد بشر نفسه ليعلن تمسكه بتلك الشروط على وقع انتقادات حادة طالته من قِبل قواعد الجماعة الشبابية، خصوصا أيضا بعد أن فضحه عمر نجل محمد مرسى، بالإشارة إلى أن الأول تجاهل الحديث عن عودة «الشرعية» فى أثناء طرح دعوته كتكتيك ومناورة، ورغم ذلك فإنها تضمنت توصية دخيلة على المنطق الحاكم لمثل تلك الدعوات، بالتمسك بضرورة الإفراج عن «المعتقلين سياسيا»، فى إشارة إلى محمد بديع وخيرت الشاطر ورفاقهما.
فى الواقع، إن الإخوان لا يبحثون عن مبادرات أو مصالحات مع الدولة. الوقت مر ولم يعد ذلك ممكنا. بعد 30 يونيو وكذا 3 يوليو، تبنت بعض الشخصيات من داخل السلطة وخارجها، سيناريو احتواء الجماعة، لكن رهان الأخيرة الأعمى على واشنطن والاتحاد الأوروبى، لإعادة مرسى والجماعة إلى سدة الحكم مجددًا، كان مقامرة ومغامرة غير محسوبة. فاندفع قادة التنظيم فى نوبة تصعيد عنيف ضد الدولة المصرية ورموزها ومؤسساتها، خصوصا الجيش والشرطة والأزهر والكنيسة، وضد المواطنين العاديين، فى حين بلغ بهم التحدى لأن دفعوا شبابهم وحلفاءهم لرفع السلاح فى وجه الشعب، قبل أن يتحالفوا مع جماعات التكفير والإرهاب المسلح، والتى أشعلت سيناء ومدن القناة ووصلت إلى قلب العاصمة بجرائمها.
فى النهاية الإخوان أصبحوا أمام واقع شديد التأزم بالنسبة لهم. يعانون حظرًا شعبيًّا غير مسبوق، فضلا عن حظر قضائى بات لا لبس فيه. تلاشى تأثيرهم وتأثير مظاهراتهم فى الشارع باستثناء عنفهم. فقدوا أهم الصفات التى حافظت على وجودهم فى ساحة العمل العام طوال حكم مبارك. لم يعودوا فى عيون العامة «ناس بتوع ربنا» ولا «شهداء أو ضحايا».. اسمهم بات فى الذهنية الجمعية المصرية مرادفا للتشدد والتطرف والهمجية والإرهاب.
الحليف الغربى تراجع عن مساندتهم ببراجماتيته المعتادة. الأوربيون كانوا أسبق فى هذا الشأن. واشنطن بالغت فى دعم الجماعة فى البداية، أملًا فى الحفاظ على مشروعها وترتيباتها الأمنية فى المنطقة، والتى كان التنظيم الإخوانى لاعبا أساسيا فيها.. ثم تراجع الدعم الأمريكى نوعا ما له، فى مقابل الضغط على المؤسسة العسكرية للحصول على أكبر مكاسب ممكنة تعوض خسارة الإخوان. بعدها أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية صراحة أنها لم تعد تعول عليهم (باستثناء ابتزاز السلطة فى مصر بملفهم). وزير خارجية بلاد العم سام، اتهم الجماعة بسرقة ثورة 25 يناير. باختصار واشنطن لا تريد إغضاب الخليج المساند للقاهرة، بمساندة الإخوان. هى أغضبته بما فيه الكفاية بالتراجع عن ضرب بشار الأسد تارة، وتارة أخرى عبر اتفاق تاريخى مع الجارة النووية الإيرانية، وبالتالى خسارة الإخوان فى مصر أهون بالنسبة إلى البيت الأبيض من خسارة نفط الخليج كله.
الحاضنة التركية للإخوان لم تعد أيضا ورقة ضغط على المصريين لصالح الإخوان. رعونة رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان، وتطاوله السافر على 30 يونيو، جعلاه خصما لا تُقبل كلمته، ولا يحسب لها أى حساب، فى شأن ترتيبات مستقبل الجماعة.
فى ظل دوامة الأزمات التى تعيشها الجماعة، لم يعد أمامها سوى انتظار صفقة لإنقاذها وقادتها من الاندثار والسجن. لكن التنظيم يبحث عن صفقة على نهج مبارك. يديرها رجل أمن، كما كان يحدث فى عصر أمن الدولة المنحل، لا رجل سياسة، مثلما كان يظن بعض نواب رئيس الوزراء الدكتور حازم الببلاوى، قبل أن يكتشفوا متأخرين أن الإخوان ليسوا رجال مصالحات أو عهود سياسية.
باختصار الجماعة تريد الصفقة مع الجيش لا غيره. فى مبادرة الوزير الأسبق والمحامى المعروف الدكتور أحمد كمال أبو المجد، التى طرحت قبل عيد الأضحى الماضى، برعاية حكومية وترحيب من مفاوض الإخوان الدكتور محمد على بشر، وزميله الدكتور عمرو دراج، كان المطلب الإخوانى الاعتيادى حاضرا «نحن نحدد من يجلس من جانبنا على طاولة المفاوضات».. كانوا يريدون إخراج خيرت الشاطر وسعد الكتاتنى من السجن على وجه الخصوص. حافظة الأموال، والوجه السياسى للجماعة وحزبها الحرية والعدالة. بينما كان الطلب الأكثر خبثا «لا تفاوض إلا بحضور الجيش».. ذلك هو مراد الإخوان. وهو ما تكرر أيضا عبر وسطاء إسلاميين، أو قريبين من المعسكر الإخوانى، أو فى فريق الدفاع عن المعزول، ممن تبنوا مبادرات لمصالحة الجماعة مع الدولة، حيث كان حديثهم عن ضرورة أن تجلس قيادات من الجيش أو من يمثلهم مع التنظيم.
المظاهرات العنيفة المتناثرة من آن لآخر تحت راية الإخوان وواجهتهم بعد الإطاحة بمرسى، مما يعرف بـ«تحالف دعم الشرعية»، كما حدث الجمعة الماضية، وأول من أمس فى مئوية فض اعتصامى رابعة ونهضة مصر، لا هدف لها إلا إرباك المشهد وإحراج وإفشال الحكومة، وكذا تأكيد رخاوتها وعجزها. ستزداد وتيرتها دموية كلما اقترب موعد أى استحقاق خاص ببنود خارطة الطريق. كالاستفتاء على الدستور أو قرب الانتخابات البرلمانية والرئاسية. الغاية الأسمى لذلك أن يجد الجيش نفسه، ومن خلال الحكومة، مجبرا على مد جسور اتصالات ولو فى الكواليس مع التنظيم لتمر تلك الاستحقاقات دون مشكلات.
أما الجائزة الأكبر التى يمنى الإخوان أنفسهم بها، أن تصدق التوقعات بترشح وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسى، للرئاسة، أو أن تدفع المؤسسة العسكرية بمرشح رسمى لها، أو على أقل تقدير تعلن أو تبدى مساندتها لمرشح مدنى بعينه. ساعتها سيصعد التنظيم، بدعم إقليمى وربما أمريكى، من ضرباته فى الداخل، على أمل اتصال الجيش به للتفاوض ولتمرير مرشحه بمباركة جميع القوى والفصائل. الإخوان يراهنون على تلك الفرضية لابتزاز الدولة، وإنقاذ القيادات والتنظيم، بل واقتناص جزء من كعكة السياسة والحكم.
ولحين الوصول إلى تلك اللحظة لن تمد الجماعة يدها إلى أى مصالحة أو مبادرة للتسوية السياسية مع الدولة. قادة الإرشاد فى السجن وفى الخارج سيرفضون الاعتراف بواقع هزيمتهم عن قصد، وسيلجؤون إلى «سياسة التصعيد والحافة» لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة لهم مع الدولة، وتقليل خسائرهم إلى أقصى حد ممكن.
على هذا النحو يتعامل الإخوان.. مرسى وفريق دفاعه، وعبر دعاوى عدم اعترافهما بشرعية المحكمة، سيسعيان بشتى الطرق إلى إفساد قضية الاتحادية لإطالة أمد نظرها بأى ثمن. وفى المقابل سيماطل مفاوضو الجماعة، بتعليمات من قيادات الإرشاد فى السجن وفى الخارج، وبتوصية من التنظيم الدولى، لعدم التجاوب مع أى بادرة لتسوية أزمتهم مع الدولة سياسيا، بل وسيصعدون ضدها، ويدفعون نحو الفوضى، وحرق الشارع والجامعات بمسيرات التحريض والتطرف، خصوصا فى ظل انتهاء حالة الطوارئ وإيقاف العمل بحظر التجوال، فضلًا عن استمرار اتصالاتهم بالخارج. على أن تستمر تلك السياسة حتى يقترب أى استحقاق كبير بالنسبة إلى بنود خارطة الطريق كالاستفتاء على مسودة الدستور، أو إجراء الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، أو إلى حين ظهور أى مرشح محتمل من جانب الجيش. وقتها ووقتها فقط، سيتجاوب التنظيم، بعد أن يكون قد وصل بالأزمة إلى حافة الانفجار، من منطق أن الحكومة (وأيضا الجيش) سيكونان فى تلك الحالة، فى مأزق، ومن ثم ووفق الرؤية الإخوانية سيكونان أكثر قابلية للابتزاز، ولتخفيف قبضتهما، خصوصا الأمنية، الموجهة إلى الجماعة وأبنائها.
التنظيم يبحث أيضا، بينما ينتهج سياسة الحافة والمماطلة، على كارت جديد للتفاوض والضغط إلى حين الوصول إلى اللحظة التى ينتظرها لإتمام أى صفقات. لو نجحت الجماعة عبر شبابها، فى مجاورة شباب الثورة فى فاعليات تنطلق بالأساس ضد تراجع السلطة عن القصاص للشهداء، وعدم وفائها بتنفيذ أهداف الثورة، سيكون ذلك إيذانا بظهور جديد قوى ومؤثر للإخوان يمكن تضييق الخناق به على الحكومة. الجماعة فى تلك الحالة ستكون قد عادت إلى الشارع إلى جانب آخرين، وليس وحدها. وستكون مطالبها متداخلة مع مطالب الثوار، ومن ثم ستجبر الحكومة على الاستماع إليها، وربما التجاوب معها إذا لزم الأمر. إن النظام الحاكم منذ سقوط مرسى وإخوانه فى دوامة 30 يونيو، أمام امتحان حقيقى لقدراته، ليس بسبب مواجهته الإخوان وعنفهم، بالأمن فقط. الفترة الماضية أثبتت قدرته فى هذا الشأن، لكن مأزقه الأخطر يكمن فى مدى استعداداته لإجهاض سيناريوهات التحايل التى ينتهجها التنظيم وصولا إلى إتمام صفقات تنقذه. على النظام أن يستبق الجماعة وحلفاءها فى الداخل والخارج، بتحجيم الحلول السياسية المتاحة أمامها، بحيث لا تتجاوز دولة القانون تحت أى ظرف من الظروف، على أن لا يتم التهاون فى القصاص لدماء المصريين التى سالت على يد الإخوان، ولا تنتهك أى الأهداف الثورية. وكذا على الداعين إلى دفع الجيش أو رموزه إلى سُدة الحكم أن يدركوا أن تكلفة ذلك قد تصب فى صالح الإخوان.. فهل لدى السلطة خطة معدة فى هذا الاتجاه؟.
التحرير






