وسائد القطن تصنع من فضلات وحفاضات

193

 

هنا “عكرشة”.. منطقة على الظهير الصحراوى لمدينة الخانكة، بعدما تدخلها تشعر وكأنك خارج الزمن والجغرافيا.. حيث مئات من مصانع بير “السلم”، من بينها مصانع تنتج “أقطان الموت”، التى يقبل عليها الفقراء لرخص ثمنها.

فى هذه المنطقة النائية، يتم تصنيع نوع خطير من “القطن الصناعى” عبارة عن خليط من فضلات الأقمشة – نظيقة وغير نظيفة – والحفاضات، والبوليستر. هذه الفضلات، مليئة بالفيروسات والمكروبات الخطيرة، ويضاف إليها ماء النار وبعض المواد الكيماوية الخطيرة، ليتم “تفسيخها” حتى تتحول إلى ما يشبه القطن.

فى كل ليلة يضع ملايين الفقراء رؤوسهم على وسائد محشوة بـ”قطن الموت”، لا يدرى أحدهم أنه بشرائه قنطارا أو قنطارين من القطن الصناعى، فتح على نفسه بابا تتسلل منه أخطر أمراض العصر إلى بيته، والتى تبدأ بحساسية الصدر وأمراض الجهاز العصبى، وتنتهى بسرطان الجلد.

“القطن الصناعى” أو “القطن الملون”، هكذا يسميه الباعة وأحيانا يطلقون عليه قطن الفقراء، يباع بما يعادل نص ثمن القطن الطبيعى، يقولون فى الأسواق إنه من بقايا محالج القطن الطبيعى، إلا أنه نتاج عملية إعادة تدوير للأنسجة كاملة الصنع باستخدام أحماض الكبريتيك، وحمض السلفونيك وعدد من المواد الكيميائية شديدة القدرة على تفتيت الأنسجة، سواء كانت مستخدمة أو جديدة أو أي منتجات قطنية بما فيها “الحفاضات النسائية” أو “حفاضات الأطفال” حسب عم سعيد أحد العاملين بهذه المصانع.

“بوابة الأهرام” تجولت داخل منطقة “العكرشة” الشهيرة بوجود مصانع القطن الصناعى وتعتبر أكبر سوق لبيع القطن الصناعى، حيث يتجاوز عدد المصانع بها الـ500 مصنع، ينتمون جميعا إلى فئة مصانع “بئر السلم” التى تعمل بلا تراخيص ولا رقابة.

يقول سعيد صاحب مصنع: “هنا لا ورق ولا تسجيل ولا غيره، فقط عليك أن تستأجر مكانا، وتشترى أو تستأجر ماكينة ثم تبدأ العمل فورا”. يروى سعيد أنه يعمل بهذه الصنعة منذ عام 1995 بمساعدة زوجته، ولم يكن فى هذه المنطقة إلا مصنعان أو ثلاثة، ويقول: “كنا فى البدء نبيع فضلات المصانع والمسنوجات القطنية والبوليستر للمصانع، ثم قررنا شراء ماكينة كان سعرها نحو 35 ألف جنيه.. وفتحنا مصنعنا”!

يشرح سعيد أن التعامل مع الأنسجة يتنوع حسب خامتها ومصدرها؛ النوع الأول من القصاصات القطنية البيضاء وهو أغلى أنواع المدخلات يأتى من مصانع الملابس الداخلية الرجالى أو الملابس القديمة، وأي منتجات قطنية، وهو الأغلى سعرا، يقوم العمال أولا بتمزيقها إلى قطع صغيرة، ثم تنقع فى أحواض كبيرة بها “ماء نار” ثم تترك لتجف، وأخيرا توضع على الماكينة التى تقوم بتفسيخها لتصير لينة مثل القطن الطبيعى.

أما النوع الثانى فهو الملابس القطنية الملونة والتى تحتاج إلى زيادة مرحلة فى المعالجة، وهى النقع فى الكلور المركز، ويخرج المنتج النهائى لهذا النوع ملونا حسب اللون الغالب على القصاصات، ويستخدم بشكل أكبر فى حشو غرف المعيشة (الأنتريه).

كما تستخدم بعض المصانع الحفاضات النسائية وحفاضات الأطفال النظيفة وغير النظيفة.

سألنا عم سعيد عن سبب تباين سعر كيلو قصاصات القطن الأبيض، والذى يطلق عليه العاملون “كلبس” ويصل إلى 5 جنيهات، وبين المنتج النهائى من كيلو القطن الصناعى الأبيض وسعره 4 جنيهات، فأوضح أنه يضع طبقة من القصاصات ناصعة البياض النظيفة، وطبقة أخرى من الأقل جودة، وسعرها يبدأ من 80 قرشا للكيلو، سواء كانت من البوليستر الأبيض أو الحفاضات، وبذلك يكون الناتج النهائى سعره متوسط، وبه هامش ربح معقول”.

يشدد سعيد على نطق كلمة الحفاضات “النظيفة” التى بها أخطاء تصنيع، وكأنه ينفى عن نفسه تهمة، إلا أنه يعود ليقول إن بعض المصانع تضعها غير نظيفة.

يقول الدكتور عبدالهادى مصباح استشارى أمراض المناعة إن مثل هذه المنتجات لا يمكن حصر أخطارها، فهى لا تخضع للرقابة، ولا يسهل التعرف على محتوياتها، ونسب المواد التى استخدمت فى معالجتها، بالتالى فالمنتج النهائى مجهول للجهات الصحية.

ويضيف مصباح أن كل قنطار من القطن الصناعى يمكن أن يحمل نوعية مختلفة من الفيروسات والميكروبات حسب مصدر القصاصات، لكن الأكيد أن استخدام حمض النتريك المركز أو حمض الكبريتيك المركز الذى يطلق عليهما فى الأسواق (ماء النار) يسبب الإصابة بالأمراض الجلدية المختلفة وأمراض الجهاز التنفسى وعلى رأسها سرطان الجلد وسرطان الجهاز التنفسى.

يجهل عم سعيد الاسم العلمى للمواد التى يستخدمها فى مصنعه لتبييض و”تفسيخ” القصاصات القطنية أو أضرارها، هى بالنسبة له ولبقية العمال فى المنطقة “مجرد كلور مركز وماء نار فوارة” إلا أن الجميع يشكو روائحها الكريهة، قائلا :”قد تصاب بالإغماء حين تشمها”.

لا يربط عم سعيد بين ما يدور فى مصنعه الصغير وبين الحدث الذى وضع اسم منطقة “العكرشة” وهى بداية الظهير الصحراوى لمدينة الخانكة، التابعة لمحافظة القليوبية، شمال شرقى القاهرة، على خارطة الاهتمام الحكومى فى مطلع العام الماضى، إذ أثارت حادثة اختناق 4 أشخاص وإصابة العشرات جراء انبعاث غازات سامة الذعر بين أهالى المنطقة، وحددت وزارة البيئة فى تقريرها السبب باختلاط مخلفات المصانع السامة بالماء.

انتهت مناقشة قضية منطقة العكرشة بين عدة وزارات برصد 32 مليون جنيها فى سبتمبر 2012 لتطوير المنطقة التى وصفها بيان وزارة شئون البيئة بـ”المنطقة الصناعية غير الرسمية” والتى تضم آلاف المصانع المتلاصقة والمتكدسة دون ترخيص أو رقابة من الدولة، وهى خالية تماما من أية خدمات صحية أو تعليمية أو أمنية “بما يشكل خطرا داهم للمجتمعات المحيطة بها” حسب نفس البيان.

يفخر سعيد بأنه هو وزملاءه من العمال وأصحاب المصانع فى المنطقة حولوا المنطقة إلى منطقة صناعية “بينهم وبين بعضهم”، يشيرون إلى أن الدكتور عادل زايد محافظ القليوبية فى ذلك الوقت؛ رضخ لفكرة تحويلها إلى منطقة صناعية بعد أن كثرت بها المصانع، وهجرها السكان، لكن الحكومة لم تفعل أى شيء بعد رصد ميزانية التطوير.

فلم يظهر لملايين الحكومة أثرا على المصرف المكشوف العملاق (رشاح) الذى تطل عليه المنطقة، ويعج بفضلات آلاف المصانع الصغيرة، والتى يعمل أغلبها فى صناعات خطرة تتنوع بين ورش لخراطة السلاح غير المرخص فى ظل غياب كامل لوزارة الداخلية عن المنطقة، ومصانع لإنتاج الأغذية غير المغشوشة، ومصانع إعادة تدوير المنسوجات والكاوتش والبلاستيك، ومسابك الألمونيوم والزهر والنحاس ومصانع درفلة حديد وغيرها من كل أشكال الصناعات سريعة المكسب قليلة التكاليف.

يقبع مصنع سعيد على رقعة أرض غير مسقوفة لا تتجاوز مساحتها الـ60 مترا؛ محاطة بسور من الطوب الأحمر يفصل بينه وبين المصنع المجاور، تمتدت رطوبة مياه الصرف إلى أرضية المصنعين الطينية بسبب”الرشاح” الذى يقع على مسافة تقل عن العشرة أمتار.

هنا يصل الخطر إلى أقصى حدوده وفقا لدكتور عبدالرحمن شاهين المتحدث الرسمى السابق باسم وزارة الصحة، الذى يقول إن عدم معالجة أقمشة البوليستر يعنى أن المستهلك يحصل عليها محملة بكل أنواع الميكروبات والفيروسات ناهيك عن إدخال مخلفات المستشفيات والحفاضات النسائية وحفاضات الأطفال يزيد الأمور تعقيدا وضررا.

لا يعنى شاهين بذلك أن بقية الأنواع سليمة، إذ يؤكد أن استخدام هذه الأحماض الثقيلة فى منتج سيظل المستهلك يستخدمه لفترة زمنية طويلة يسبب عدة أمراض على المدى الزمنى الطويل، ناهيك عن ملامسة هذا المنتج لجسد مستخدمه بشكل مباشر، وأبرز هذه الأمراض هى أمراض الجهاز العصبى والجهاز التنفسى والصمم وأمراض العيون والسرطان.
ويوضح شاهين أنه من حيث المبدأ فإن عملية إعادة التدوير باستخدام هذه الأحماض لابد أن تكون تحت رقابة مشددة على النسب، وكيفية الاستخدام، وضرورة ألا تستخدم فى السلع المعمرة مثل المراتب والوسائد والأغطية والمفروشات والأثاث المنزلى.

يشدد شاهين على ضرورة أن يقوم قطاع الطب الوقائى فى وزارة الصحة بمعاونة وزارة الداخلية بدوره فى محاصرة هذه المصانع وإغلاقها نظرا لما تشكله من أخطار على الصحة العامة، وعلى البيئة المحيطة وأخيرا على صحة العاملين بها.

لكن دكتور عمرو قنديل وكيل وزارة الصحة لشئون الطب الوقائى ينفى معرفته بماهية القطن الصناعى، مشددا على أن الوزارة معنية فقد بالرقابة على المأكولات أو المشروبات فقط أما الأنسجة وغيرها من المنتجات التى قد تضر صحة الإنسان فلا رقابة للوزارة عليها، وتراقبها جهات أخرى مثل وزارة الصناعة وجهاز حماية المستهلك والتى يمكن فقط أن تلجأ لمعامل الوزارة لكشف أخطار هذه المواد.

تبدأ خطورة القطن الصناعى من الماكينة التى يتم فسخه عليها، فيقول سعيد: “فى كل مصنع هنا تجد عاملا قد بترت يده تحت الماكينة”، مضيفا أنه كصاحب مصنع يعيش فى قلق دائم من فكرة إصابة عامل فى مصنعه، فهذا يعنى أن يتكفل بعلاجه ومصاريفه، وفى أغلب الأحوال يقوم زملاؤه من العمال بجمع مبلغ من المال لمساعدته “ثم يتولاه الله” بتعبير سعيد.

هذا الشكل البدائى من التكافل بين عمال المصانع فى العكرشة، لم يتطور أبدا ليشمل الأخطار الأخرى مثل أمراض الجهاز التنفسى والأمراض الجلدية والسرطانات وغيرها، إذ يجهل معظم العاملون بها الترابط بين هذه الأمراض وبين عملهم.

كذلك يجهل المستخدم الرابط بين كثير من الأمراض المتفشية وبين القطن الصناعى، هذا ما يؤكده شاهين قائلا : “مشكلة هذه المنتجات أن مستخدمها نفسه لا يعلم أنها سبب مرضه بالتالى لا يكف عن استخدامها حتى تقضى عليه”.

 

الاهرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى