السلطة القضائية في مسودة الدستور

 

77

 

قُبيل إصدار لجنة الخمسين المسودة الأولى من دستور 2013 شهدت اجتماعات اللجنة حالة من الشد والجذب بين أعضائها فيما يتعلق بالتوافق حول مواد السلطة القضائية، والتي اشتملت على مواد تتعلق بالأحكام العامة، وأخرى تخص القضاء، والنيابة العامة، ومجلس الدولة، والمحكمة الدستورية العليا، والهيئات القضائية والمحاماة والخبراء. وإذا كان استقلال القضاء وإصلاح مرفق العدالة في مصر من أبرز مطالب ثورة 25 يناير، فإن مسارات مصر ما بعد الثورة جعلت هذا المطلب من أولويات إنجاز العدالة الانتقالية في مصر بمفهومها الإجرائي والتنفيذي، لاسيما مع اتهامات البعض للقضاء بالتسييس أو بالدخول كطرف في الاستقطاب السياسي الدائر في مصر سواء قبل 30 يونيو أو بعدها، ويهدف هذا التحليل إلى تقديم قراءة نقدية حول مواد السلطة القضائية في مسودة دستور 2013، والتي تم إقرارها مؤخرًا، على ضوء الانتقادات الموجهة لهذه المواد، وما تم طرحه في السابق من مقترحات وتوصيات بشأن إصلاح السلطة القضائية في مصر بالتركيز على الإصلاح الدستوري بهدف ضمان استقلاليتها وتطوير أدائها وتحسين نوعية وجودة الخدمات القضائية وبناء مرفق مستقل ونزيه للعدالة في مصر.

ويمكن النظر إلى الإصلاح الدستوري لوضع السلطة القضائية في مصر باعتباره مجرد خطوة أولى على درب إصلاح المؤسسة القضائية، ولبنة أساسية في طريق إقامة مرفق العدالة النزيه والمستقل في البلاد، بيد أن تلك الخطوة لا يمكن التعويل عليها فقط باعتبارها الحل السحري للوصول بالمؤسسة القضائية إلى الهدف المنشود، إذ تظل تلك الخطوة بحاجة إلي جملة من الخطوات الأخرى الموازية والمتكاملة معها، حتى يتحقق الهدف المرجو من وراء إصلاح المؤسسة القضائية، وهو إيجاد ضمانة قوية لسلامة تطبيق القانون بحيادية وموضوعية في جميع المنازعات، سواء تلك المنازعات التي تنشأ بين الافراد وبعضهم البعض أو تلك التي تنشأ بين الإفراد وبعض أجهزة الدولة ومؤسساتها الإدارية، هذه الخطوات الموازية والمكملة للإصلاح الدستوري للقضاء تتعلق بالأطر القانونية والإجرائية والمؤسسية المنظمة، كا تتعلق بالمعايير الشخصية واعتبارات الكفاءة اللازمة في شخص القاضي أو المنتمي إلى أي من مرافق العدالة بشكل عام.

وهناك علاقة ارتباطية حثيثة وقوية بين تقدم واستقرار الدولة من جهة وقوة المؤسسة القضائية واستقلالها ونزاهتها واضطلاعها بإنجاز وظيفة العدل في المجتمع من جهة أخرى، وهو المطلب الذي تعد مصر في أمس الحاجة إليه في الوقت الراهن، في ظل إشكاليات العدالة الانتقالية التي أفرزتها مسارات ثورة 25 يناير 2011، واتهامات البعض لبعض الفعاليات القضائية بالانخراط في حلبة الاستقطاب السياسي وفقًا لثنائية مع/ضد التي قسمت الشعب المصري بشكل غير مسبوق. وبشكل عام، وعلى الصعيد السياقي، تنبع أهمية إصلاح المؤسسة القضائية في مصر بعد الثورة من اعتبارين أساسيين؛ الأول: نابع من الداخل الوطني، والثاني: نابع من الخارج الدولي.

أما الاعتبار الوطني- المحلي، فإنه يتمثل في حاجة المجتمع المصري الماسة إلى قوة القانون التي تتولاها السلطة القضائية بعد أن سادت لعقود سابقة قوة القمع والظلم، إذ إن الحديث عن دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة ومبدأ سيادة القانون بعد الثورة من دون تدشين سلطة قضائية مستقلة نزيهة غير مسيسة يعد ضربًا من العبث، وإلى جانب ذلك ثمة أهمية خاصة لتجنب إرث مبارك الذي تغولت فيه السلطة النفيذية على السلطة القضائية، وتماهي الأخيرة مع الأولى، ومن ثم الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات، والرقابة والتوازن بين أجنحة الحكم، ولتجنب إرث مرسي الذي شهد صدامات واسعة، وصلت إلى حد التراشق وكيل الاتهامات، بين السلطتين القضائية والتنفيذية وهو ما كان إحدى التحديات التي أطاحت بحكم الرئيس مرسي عقب تظاهرات 30 يونيو 2013.

في حين يتجلى الاعتبار الخارجي- الدولي، في ضرورة اتساق التشريعات والممارسات الوطنية المتعلقة بمرفق القضاء مع المبادئ الأساسية التي وضعتها الأمم المتحدة بهذا الخصوص، لاسيما تلك الصادرة عن مؤتمرها السابع تحت عنوان “منع الجريمة ومعاملة المجرمين” المعقود في ميلانو من 26 أغسطس- 6 ديسمبر 1985، والذي استفاض في معالجة إشكالية استقلال السلطة القضائية بهدف تعزيز دورها وتحييد أدائها لتحقيق العدالة الناجزة، وغيرها من المواثيق والعهود الدولية التي وقعت عليها مصر وتنص على ضمان استقلالية القضاء عن ما عداه من سلطات، تشريعية وتنفيذية.

ولعل أبرز المبادئ التي عينتها الأمم المتحدة لضمان استقلالية السلطة القضائية في الدول المختلفة، هي؛ ضرورة أن يتضمن دستور الدولة، باعتباره الميثاق القانوني الوطني الأسمي، نصًا للتأكيد على استقلال السلطة القضائية، وأن يكون على جميع المؤسسات الحكومية وغيرها واجب احترام ومراعاة استقلال القضاء، وأن يكون للسلطة القضائية الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي، وأن تنفرد بسلطة البت فيها، وأن تعمل الدولة على توفير الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة وناجزة(1).

وقد اشتمل الفصل المعني بمواد السلطة القضائية في المسودة الجديدة لدستور 2013 على 16 مادة، توزعت بين أحكام عامة، والقضاء والنيابة العامة، وقضاء مجلس الدولة، والمحكمة الدستورية العليا، الهيئات القضائية، والمحاماة، والخبراء، بالإضافة إلى مادة حول القضاء العسكري وردت في الفصل المتعلق بالدفاع والأمـن القومي، وبقراءة تحليلية أولية لمواد السلطة القضائية من واقع مسودة الدستور المنشورة حتى 28 نوفمبر الجاري، يتضح أن ثمة قصورًا قد انتابها سواء من الناحية الشكلية أو من ناحية المضمون.

فمن الناحية الشكلية؛ خلطت لجنة الخمسين بين بعض المفردات ذات الدلالات المختلفة، وتعاملت معها على إنها مترادفات تحمل المعنى ذاته، وهو ما تجلى بوضوح في استخدام المسودة كلمة فصل بدلاً من فرع، في الجزئية المتعلقة بالمحكمة الدستورية العليا، والهيئات القضائية، والمحاماة والخبراء، حيث جنحت لجنة الصياغة إلى استخدام لفظ فصل وليس فرع في جميع نصوص المسودة، الأمر الذي يمثل عوارًا في الصياغة لدى المتخصصين، ويثير لبسًا لدى القارئ العادي من غير المتخصصين، ولعل دستور 2012 المعطل قد تفوق على المسودة الحالية لدستور 2013 في هذه القضية الشكلية.

ثمة ملاحظة شكلية أخرى، تتعلق بعدم مراعاة لجنة الخمسين لاعتبارات التراتبية والإحاطة فيما يتعلق بإيرادها الهيئات القضائية المختلفة، حيث أدرجت القضاء العسكري في إطار الفصل المتعلق بالدفاع والأمن القومي، في حين إنه كان من الأجدر والأكثر اتساقًا أن يتم تناول كافة الهيئات القضائية، حتى الاستثنائي منها، في فصل واحد تجنبًا للالتباس من جهة، وتأكيدًا على إن مبادئ العدالة هي المحدد الرئيس لبنية النظام القضائي في مصر، مدنيًا كان أم عسكريًا.

ومن ناحية المضمون؛ ثمة العديد من المآخذ على مواد السلطة القضائية الواردة في المسودة المنشورة من دستور 2013؛ لعل أهمها؛ المبالغة في ضمانات القضاة الشخصية، وغياب الإطار الزمني اللازم للبت في المنازعات، وعدم النص على نوع الرقابة الدستورية على القوانين، وعدم تعريف الهيئات القضاية بشكل جامع، ودسترة محاكمة المدنيين عسكريًا،

فعلى الرغم من كون المادة رقم 185 من مسودة الدستور قد صيغت على نحو يمنع تغول أي من السلطتين التشريعية أو التنفيذية على السلطة القضائية، من خلال تقييد ما تمتلكه السلطتين التشريعية والتنفيذية من صلاحيات يمكن من خلالها الضغط على السلطة القضائية ولي ذراعها من خلال تعديل القوانين والتشريعات المتعلقة بالسلطة القضائية مثلما حدث في فترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي، إلا إن تلك المادة قد بالغت كثيرًا فيما يتعلق بالضمانات الشخصية للقضاة، حيث نصت على عدم قابليتهم للعزل، فجعلتهم فوق المحاسبة، وكان من الأحرى أن يتم النص على جواز عزلهم ومحاكمتهم، وليس فقط مساءلتهم تأديبيًا، حال ثبوت تورطهم في مخالفات وانتهاكات قانونية، ولكن من قبل جهة قضائية معينة، ولتكن محكمة النقض مثلاً أو المحكمة الدستورية، تختارها الهيئات القضائية بالتوافق بعيدًا عن أي تدخل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو أمر بات ملحًا في ظل وجود بعض الاتهامات التي تذهب إلى انحراف بعض القضاة عن جادة العدالة، سواء لاعتبارات تتعلق بالفساد أو تسييس القضاء.

أما المادة رقم 187 من مسودة الدستور، فإنه لم تضع حدًا زمنيًا أقصى للفصل في المنازعات والجرائم، وتركتها من دون أن تذيلها حتى بعبارة، وفقًا لما يحدده القانون، وهي ثغرة لطالما استغلتها السلطات التنفيذية في أنظمة الحكم المتعاقبة في استخدام القضاء سياسيًا في بعض الأمور الأساسية من خلال توظيف ظاهرة بطء آليات وإجراءات التقاضي لتحقيق مصالح النخبة الحاكمة، بالإضافة إلى إصدر تشريعات تنطوي علي مثالب وعوار دستوري لتحقق مصالح وأهداف خاصة لتلك النخبة(2).

وفيما يتعلق بنوعية الرقابة على دستورية القوانين، فقد اكتفت المادة 191 بالنص على اختصاصات المحكمة الدستورية العليا والمتمثلة في الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، من دون أن تحدد نوع الرقابة التي تمارسها المحكمة الدستورية العليا على القوانين واللوائح، من حيث كونها سابقة أم لاحقة، وعلى الرغم من إن قانون المحكمة الدستورية قد جزم بأنها رقابة لاحقة(3)، ولكن كان من الأجدر في خضم الخلاف القانوني الكبير الذي يثار حول مثالب ومآثر كل من الرقابة السابقة واللاحقة وتداعياتها على الفصل بين السلطات، أن تنص عليها لجنة الخمسين بشكل جازم، كونها تضم نخبة من الفقهاء القانونيين الأكثر قدرة من السلطة التشريعية بحكم الخبرة والتخصص على تحديد أي نوع من الرقابة أنسب للمحكمة الدستورية في اختصاصها المتعلق بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، بحيث يمكن تجنب الصدام بين سلطات الدولة على غرار ما حدث بين التشريعية والقضائية خلال فترة الرئيس السابق محمد مرسي، فيما يتعلق بقانون الانتخابات على سبيل المثال.

على صعيد آخر، فإن المشرع الدستوري لم يحدد المقصود بالهيئات القضائية على نحو جامع مانع بحيث يقيد يد الشارع في خلع وصف الهيئة القضائية على أية جهة إدارية من جهات السلطة التنفيذية، أو إنشاء ما يعن له من هيئات يمنحها الصفة القضائية دون مبرر من طبيعة عملها، وتنبع أهمية مثل هذا التحديد من اعتبارين أساسيين؛ الأول: ويتمثل في تعدد الهيئات القضائية المستقلة، والثاني: ويتمثل في إن الخبرة المصرية تشير إلى أهمية ذلك بالنظر إلى مـا حدث بموجب قرار تشكيل “المجلس الأعلى للهيئات القضائية ” إثر حادثة 1969، الشهيرة بمذبحة القضاء، والذى أدخل ضمن تشكيله رئيسى قضايا الدولة والنيابة الإدارية، والتعديلات التي أدخلها نظام مبارك على قانوني هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية حيث أصبحتا بمقتضاه “هيئتين قضائيتين”(4) وما ترتب على ذلك من إشكاليات مست جوهر العدالة في مصر ممارسة وتنظيرًا.

كما إن إقحام المشرع الدستوري بعض الجهات الإدارية – التنفيذية على السلطة القضائية لتشاركها بعض اختصاصاتها عبر نصه في المواد (195، 196) على إن هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية هيئتان قضائيتان مستقلتان، اعتقادًا منه إن خلع وصف الهيئة القضائية المستقلة يتحقق بمجرد نص في الدستور، يعد أمرًا غير صحيح، حيث تناست لجنة الخمسين أن العبرة في خلع صفة الهيئة القضائية على أحد الكيانات إنما تتحدد وفقًا لطبيعة ومقتضيات وظيفتها وهي الفصل في المنازعات(5) وليس وفقًا لاعتبارات الموائمة السياسية لاسترضاء بعض مؤسسات الدولة النافذة فحسب.

وعلى الرغم من إن مسودة الدستور الجديد قد نصت في المادة (96) على إن التقاضي حق مصون ومكفول للكافة ولا يحاكم شخص إلا أمام قضيه الطبيعي، والمحاكم الاستثنائية محظورة، إلا إنها عادت في موضع آخر لتجيز في المادة (206) محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في الجرائم التي تمثل اعتداءًا مباشرًا على المنشأت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة إلخ، وهو الاستثناء الذي طالما كافحت القوى الثورية لإزالته من دستور 2012 المعطل، والذي جاءت مسودة الدستور الجديد لتسير على دربه في هذا السياق، وهو ما يبدو ماسًا باستحقاقات ثورة يناير التي كانت المطالب بالحرية من أبرز شعاراتها.

وفي سياق آخر، أغفلت مسودة دستور 2013، سواء عن عمد أو عن غير عمد، تناول بعض مظاهر التأثير التي ربما تمارسها السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، لتحد من استقلاليتها في إنجاز عملها، ولعل أهم تلك المظاهر التي تم إغفالها، على سبيل المثال لا الحصر، وضع وزير العدل لائحتي التفتيش القضائى، وتفتيش النيابات، وانفراد السلطة التنفيذية بالكلمة النهائية فى ندب وتجديد ندب من تختارهم وحدها من مستشارى محكمة الاستئناف ليكونوا تابعين لها فى رئاسة المحاكم الابتدائية فى الإشراف على الرؤساء والقضاة وأحكامهم وقراراتهم القضائية والولائية(6)، وهو ما يعني استمرارًا للمساس بمبدأ الفصل بين السلطات بشكل يسيس مرفق العدالة في مصر متمثلاً في السلطة القضائية، بما يضر في الأخير السياسة والعدالة معًا.

تبقى الإشارة إلى إن الوقت لم يمض بعد، ومن ثم فإن تقديم مزيد من القراءات النقدية الجادة والمتعمقة لمواد السلطة القضائية في مسودة الدستور الجديد، من شأنه تنبيه لجنة الخمسين حتى يمكنها تدارك تلك الثغرات الجوهرية قبل إقرار مسودة الدستور بشكل نهائي، وطرحها للتصويت من قبل الأعضاء، ثم طرحها للاستفتاء الشعبي، حيث إن تحقيق ما يطمح إليه المصريون من مرفق العدالة يحتاج، بجانب البناء الدستوري المحكم، إلى خطوات مكملة على مستوى القوانين المنظمة لعمل السلطة القضائية، وعلى مستوى الممارسة العملية بما يكفل جودة الأحكام القضائية وسرعة البت والفصل في المنازعات على نحو يحقق العدالة والمساواة بين المواطنين بشكل عادل وناجز.


1 – جامعة مينسوتا، مكتبة حقوق الإنسان، مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، متاح على الرابط: http://goo.gl/mBnpnr

2 – نبيل عبد الفتاح، القضاة والسلطة : السعى إلى الإستقلال، مجلة الديمقراطية، 1 يوليو2005، متاح على الرابط: http://goo.gl/ZqarO1

3 – انظر قانون المحكمة الدستورية العليا، متاح على الرابط: http://goo.gl/reir2Q

4 – أحمد عبد الحفيظ، السلطة القضاية فى الدستور الجديد، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، متاح على الرابط: http://goo.gl/kqN5EW

5- المرجع السابق.

6- السلطة القضائية، حزب الجبهة الديمقراطية، 20 أبريل 2010 ، متاح على الرابط: http://bit.ly/1iVYHeR

 

 

المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى