«غزوات الصناديق» المقبلة لن يفوز فيها الإخوان

46

 

 

 

لم يعد اليوم يشبه البارحة، فالعبارة التى تباهى بها دائمًا قادة القوى الإسلامية «بيننا وبينكم الصندوق» سيترددون ألف مرة قبل ترديدها، ودعاوى المقاطعة التى طالما استهجنوها واتهموا الداعين إليها بالعجز والفشل والسلبية، بدأت اليوم تتردد بينهم على استحياء فى ما يخص التصويت على التعديلات الدستورية المزمع الاستفتاء عليها قريبًا.

 

تيار الإسلام السياسى الذى قاده الإخوان المسلمون اعتمد على مجموعة من العوامل لحشد الأصوات لهم فى الصناديق المتتالية، القدرات التنظيمية التى جعلتهم أقوى التنظيمات السياسية وأكثرها تماسكًا، والقدرات المالية التى مكنتهم من توفير التمويل الانتخابى والتصويتى اللازم ابتداءً من الدعاية وحتى توزيع السلع التموينية على المصوتين، والخطاب الدينى الذى كان ينطلق من المنابر لحشد المصوتين. إضافة إلى وجود الإخوان المسلمين فى السلطة والسيطرة على وزارات مهمة تتصل بالعملية التصويتية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

هذه العوامل وغيرها قد تضررت خلال فترة حكم الإخوان التى لم تشهد تنفيذًا للوعود التى قطعوها خلال فترات الدعاية، ثم تضررت أكثر عقب خروجهم من السلطة فى 3 يوليو الماضى وتلقيهم ضربات مؤلمة على المستوى التنظيمى والسياسى والمالى، فالقدرات التنظيمية والمالية والإعلامية وأجهزة الدولة والخطاب الدينى وكل ما استطاع الإخوان استخدامه فى ملء صناديق التصويت لصالحهم لم يعد بإمكانهم اليوم استخدامه، ما يعنى أن النسب التى تفوق بها الإخوان والتيار الدينى عمومًا قد لا تنطق بها الصناديق التى توشك أن تفتح للتصويت مرة أخرى سواء على تعديلات الدستور، أو البرلمان أو رئاسة الجمهورية.

 

الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو هاشم ربيع يقول «نعم لقد فقد الإخوان المسلمون وسائل الحشد التصويتى التى اعتمدوا عليها فى الفترة السابقة، لكن الأهم من الوسائل اللوجيستية التى فقدوها، مثل القدرات التنظيمية التى ضعفت بشدة بعد الضربات الأمنية، والقدرات المالية والإعلامية والحشد على المنابر، هو الشعبية. فكل تلك الوسائل تعد عوامل مساعدة للحشد إذا كانت القوى الإسلامية لها شعبية وقد كانت بالفعل، لكن الخسارة الأفدح للإسلاميين كانت فى شعبيتهم، خصوصًا عندما تولوا السلطة، وكانت ممارستهم محبطة للقطاعات الواسعة من الجماهير التى صوتت لهم فى صناديق متتالية، كذلك بعد فقدهم السلطة وممارستهم العنف لاستعادتها حتى ظهروا للجمهور كطلاب سلطة وليسوا إصلاحيين كما ادعو، الخسارة الشعبية هى الأسوأ للإخوان، وهى التى ستنزع الجزء الأكبر من الأصوات التى ذهبت لهم فى السابق، حتى لو استعادوا أدواتهم التنظيمية والمالية.

 

لا تمثل خسارة الإخوان المسلمين خسارة جماعية للتيار الدينى، فما يفقده الإخوان قد يكسبه فصيل إسلامى آخر، إن لم يكن شريكًا للإخوان فى ممارسته المنفرة، هذا ما يؤكده ربيع، مضيفًا: «من المؤكد أن التيار الإسلامى بشكل عام سيخسر جزءًا من الأصوات التى كان يحصل عليها، لكن لا يمكن المبالغة فى تلك الخسارة. فشعبية خطاب التيار الإسلامى لا ترتبط بالإخوان المسلمين فقط رغم أنهم فعلًا الفصيل الإسلامى الأكبر، فهناك السلفيون الذين يحسبون ضمن جبهة 3 يوليو، واستطاعوا النجاة مما لحق بالإخوان، من الوارد جدا أن قطاعًا هامًا مما سيفقده الإخوان وحلفاؤهم سيؤول إلى السلفيين، ما سيحجم خسارة التيار الدينى فى أى تصويت قادم، وإن كان لا يمكن استبعاد الخسارة فى كل الأحوال».

 

ربيع يرى أن جملة الظروف الاقتصادية والاجتماعية تلعب دورًا هامًا فى شعبية الخطاب الدينى سواء حمل لواءه الإخوان أو السلفيون «كلما اقتربنا من الفقر والأمية زادت شعبية التيار الدينى، لذا فعندما نتحدث عن أن الغالبية فى المجتمع ما زالت تعانى من الفقر والأمية فلا نستطيع الحديث عن انهيار كامل فى التصويت للخطاب الدينى، وعلى سبيل المثال ربما نجد البرلمان القادم مقسمًا كالتالى: ثلث للقوى الإسلامية، وثلث للقوى المدنية، وثلث للنظام القديم، وفى الثلث الخاص بالقوى الإسلامية ربما نجد الإخوان متراجعين بشدة، لكن ليس لصالح قوى مدنية، لكن لصالح السلفيين».

 

لقد أثبتت تجربة السنوات الثلاث المنصرمة أن قوانين التصويت ليست هى نفسها قوانين الثورة، لقد انفجرت مظاهرات عارمة للمطالبة بإقالة أحمد شفيق عندما كان رئيسًا للوزراء ولاه مبارك، وبعد شهور كان شفيق المرشح لرئاسة الجمهورية، ليخوض معركة الإعادة ويصبح قاب قوسين أو أدنى من رئاسة الجمهورية. لقد فرح الإخوان المسلمون بالملايين التى صوتت لدستور الغريانى، فانطلقت ملايين أكثر تطيح بالدستور والرئيس بعدها بشهور.

 

اليوم تشير كل المؤشرات إلى انهيار الإخوان المسلمين شعبيًّا، وتراجع كل قدراتهم السياسية والتنظيمية والمالية والإعلامية، وتبدو خسارتهم فى أى «غزوة صناديق» تالية حتمية، حتى إنهم أصبحوا يبدون التخوف من تلك الصناديق، ويفكرون فى سلاح المقاطعة الذى هاجموه من قبل. لكن حجم تلك الخسارة، وعند من ستصب هذه الخسارة، أمور سوف تفصح عنها الصناديق التى ما زالت مغلقة.

 

 

الدستورالاصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى