القرآن والمصرى طبعة 2013!

154

 

 

المصرى طبعة 2013 ضرب بالمكيال والميزان عرض الحائط، فهو يسير عكس الاتجاه فى فهم الدين أو فى قيادة سيارته، ويعطل مصالح الناس باسم فهم مغلوط للشريعة مثل رفيقه الذى يقف فجأة فى وسط الطريق، لكى ينزل أو يأخذ راكباً، وقد يرمى زيتاً على كوبرى حيوى لتعطيل حركة المرور كنوع من تجديد أساليب النضال! وقد يجعل من عرض الطريق محلاً يبيع فيه بضاعته، أو يعتبر الرصيف جزءاً من متجره، أو يعد نفسه وصياً على الناس يعلمهم كيف يعيشون! أو يمتهن الثورة، ويصبح مناضلاً بالأجر أو بوق دعاية متقمصاً روح حوارى الأنبياء الكذبة!

إن الحقيقة المرة التى نعانيها الآن هى أن «بعض المصريين» يفسدون حياة «كل المصريين». ومع أن من يفعل ذلك «قلة»، فإن هذه القلة تحوّلت أفعالها إلى ظاهرة تعانيها مصر كل يوم.

وتتجلى أفعال هذه القلة تارة فى السياسة، وتارة فى الدين، وتارة فى الاقتصاد، وتارة فى تصرفات الحياة اليومية فى الشارع أو أى مؤسسة. ودعنا من الشعارات الرنانة.. فبعض المصريين الذين نراهم فى الشارع اليوم يبدون ككائنات غريبة فى سلوكهم أو فى مظهرهم، لا علاقة لها بالمصرى الذى قرأنا عنه فى التاريخ، ولا علاقة لها بالمصرى صاحب انتصار أكتوبر، ولا المصرى الذى بنى الأهرامات، ولا المصرى الذى هزم التتار، ولا المصرى الذى ناصر حركات التحرر فى العالم الثالث، ولا المصرى الذى بنى السد العالى، ولا المصرى الذى قام بثورة يناير ثم اختفى تاركاً الساحة للمصرى طبعة 2013!

هذا المصرى غريب عن المصرى الذى نعرفه، حيث تحول معه الإسلام الحر إلى دين آخر غير دين القرآن والسنة، وتحولت معه الديمقراطية إلى شعار دون عمل، وإلى ماكينة طحين بلا قمح، تطحن (عامية وفصحى معاً) ولا تنتج! أو بعبارة أخرى «جعجعة بلا طحن»، بالمعنى المقصود فى مسرحية «شكسبير» التى جاء اسمها حاملاً للتعبير نفسه «Much Ado About Nothing»، وهى المسرحية التى يخطط فيها أخو الأمير لتخريب «العرس»، لكنه يفشل فى ذلك!

أما الوطن فقد تحول مع هذا المصرى طبعة 2013 إلى وسيلة للوصول إلى الأهداف وليس غاية، وتجارة مثل تجارة أى وهم..! وتحولت معه الحرية إلى فوضى، والثورة إلى انتفاضة رعاع، والشهادة فى سبيل الله إلى الشهادة فى سبيل الكرسى!

هذا المصرى طبعة 2013 يحترف الكذب على المصرى الأصيل وعلى العالم كله، ويظل يكذب، ويستمر فى الكذب، فيصدقه بعض الناس ويضحون بأرواحهم من أجله باعتباره مبعوث العناية الإلهية! ولا فرق بين هذا وبين طبيب تحول من رجل شفاء إلى رجل أعمال مخادع، وكأنك تتعامل مع سمسار يريد أن ينهى الصفقة لصالحه، حتى لو كانت دون ذلك الدماء!

هل تظن أن الله تعالى سيتدخل من أجل إنقاذه؟ أنت واهم واهم.. فالله قد جعل لكل شىء سبباً، ولماذا يتدخل من أجل إنقاذه؟ هل يكفى نفاقه له ببعض الصلوات المرائية؟ أم يكفى دعاؤه الذى يخرجه على سبيل التسول؟

لكن ما الحل؟

الحل هو أن يضبط الناس «الميزان» فى كل شىء. هذا هو موقف القرآن الكريم عند بناء الدولة فى المدينة المنورة بعد مرحلة الدعوة العقدية فى مكة. ولأهمية الأمر كانت أول سورة نزلت فى المدينة المنورة باعتبارها مرحلة بناء الدولة، هى سورة المطففين، حسب ابن عباس فى الأصح عنه وعكرمة والحسن السدى ومقاتل فى رواية عنه. وهذه السورة الكريمة كانت مقدمة لإصلاح أحوال المسلمين فى المدينة، وهى لا تؤسس فقط عملية البيع والشراء، وإنما -حسب فهمى أنا العبد الفقير- تؤسس للمعاملات كلها على أساس من ضبط الميزان فى القضاء والصحة والتعليم والإعلام والسياسة والاقتصاد والمعاملات كافة، وإن شئت فى الشارع وعلى الرصيف المعتدى عليهما، وأيضاً فى فن المعارضة والحوار.

كله بالميزان.. فلا يأخذ المسلم الحر أكثر من حقه عندما يبيع أو يشترى أو يدخل الانتخابات أو يصوّت فى البرلمان أو يجرى أى معاملة من أى نوع. ولا يتعسّف فى فهم القرآن والسنة لكى ينصر فصيله السياسى أو الاجتماعى أو لكى يحصل على غنيمة من وطنه. ولا يبخس الناس أشياءهم، ولا يأخذ من حق غيره عندما يحكم فى قضية أو يفحص مريضاً أو يسير فى الشارع أو يدرس فى الفصل أو يبنى منزلاً.

فمن يفعل أياً من هذا مثله مثل المطففين؛ لأن التجار ليسوا هم فقط الذين بيدهم المكاييل والموازين، وليس هم فقط موضع التهديد بالويل «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ»، بل الجميع بيدهم المكاييل والموازين، كل حسب طبيعة عمله: القضاة والسائقون، والشرطة وعمال النظافة، ورجال الأعمال والصيادون، والمدرسون والسباكون، والساسة فى الحكم والساسة فى الجراج أو الإسطبل، والأطباء والممرضون، وأساتذة الجامعات والمحفّظون فى الكتاتيب، والإعلاميون وعمال الكاميرات والمطابع.. إلخ.

لا أحد أفضل من أحد، فكلها أعمال يمكن أن تصير شريفة، وكلها أعمال يمكن أن تصير قذرة، والمعيار الوحيد هو (ضبط الكيل والميزان)!

لكل هذا، تحتاج مصر، التى تعانى الويل، إلى ثورة ثقافية، ولكل هذا أيضاً مصر تحتاج إلى «ماوتسى تونغ» فى طبعة مصرية!

 

الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى